مع إعلان اللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة مشكورةً عن إنهاء تفعيل المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة والقِطاعات واللِّجان الفرعيَّة بالمحافظات، عقب الحالة الجويَّة «منخفض المسرَّات» الَّتي شهدتها مختلف محافظات سلطنة عُمان في مارس 2026، يأتي السؤال الَّذي يفرض حضوره مع كُلِّ حالة جويَّة أو أنواء مناخيَّة وحالات طارئة: ماذا بعد؟ وهو سؤال يحمل من العُمق والاستشراف والعمل على الأرض ما يستدعي الوقوف على كُلِّ تفاصيله، فهو لا يرتبط بزوال الحالة الجويَّة بقدر ما يجسِّد طبيعة العمل الوطني لمرحلة ما بعدها، والَّتي تظهر فيها الأرقام والمؤشِّرات والوقائع على حقيقتها الفعليَّة بما تعكسه من حجم التأثيرات، وتتضح من خلالها ملامح التحدِّيات والمعيقات والإخفاقات، وتبرز الحاجة إلى مراجعات عميقة تتجاوز الوقتيَّة إلى بناء رؤية وطنيَّة أكثر استدامة.
لقد جاء منخفض المسرَّات بعد انتظار محمَّلًا ببشائر الخير، إذ أسْهَمتْ أمطاره الغزيرة في تغذية المخزون المائي، وامتلاء السدود، ونشاط الأفلاج، وتحسين منسوب المياه الجوفيَّة، وإحياء الأراضي الزراعيَّة، الأمر الَّذي سيكُونُ له نتائجه الإيجابيَّة في السنتين القادمتين على الأمن المائي بسلطنة عُمان، غير أنَّ هذا الوَجْه الإيجابي تَرافَق مع تحدِّيات كبيرة فرضَتها طبيعة الحالة الجويَّة وغزارة ما حملته من مياه، حيثُ أدَّت غزارة هطول الأمطار واندفاع الأودية الجارفة إلى أضرار كبيرة ومتفاوتة في الممتلكات العامَّة والخاصَّة بَيْنَ الولايات، حيثُ تسبَّبت غزارة الأمطار وجريان الأودية بشكلٍ قوي في أضرار في المَركبات، ومنازل المواطنين، ودخول المياه إلى العديد من البيوت، وتلف الممتلكات الشخصيَّة، والمَرافق التعليميَّة، والمباني والبنية الأساسيَّة، والمَرافق السياحيَّة والمساجد الَّتي غمَرتها المياه في بعض الولايات، كما تعرَّضتْ شبكات الطُّرق وبعض الجسور لأضرار كبيرة، كما تأثَّرت شبكات المياه والكهرباء والاتِّصالات في بعض الولايات، كما أحدثت أضرارًا كبيرة على المزارع والمحاصيل الزراعيَّة والثروة الحيوانيَّة ومشاريع تربية النحل ومشاريع المواطنين كالنُّزل الخضراء القريبة من الأودية أو في الأماكن المنخفضة وغيرها كثير، في مشاهد مؤلمة وأحداث محزنة وواقع صعب، ناهيك عن الخسائر في الأرواح الَّتي باتتْ تطرح أيضًا علامات استفهام أخرى، وهو ما يعكس حجم التحدِّي الَّذي تفرضه مثل هذه الحالات الطارئة عامَّة، ومنها «منخفض المسرَّات» على كفاءة البنية الأساسيَّة.
من هنا، فإنَّ الإجابة عن السؤال «ماذا بعد؟» تنطلق من مسارَيْنِ رئيسَيْنِ:
أوَّلهما: تعزيز العمل الوطني الجمعي والتكاملي والمستدام وفْقَ إطار عمل واضح المعالم لا يرتبط بوقتيَّة التنفيذ في التعامل مع الحالات الطارئة؛ بل بالانتقال من الاستجابة الوقتيَّة إلى بناء منظومة عمل مستدامة، تكُونُ قادرة على التنبؤ والتخطيط والتعامل مع الحالات الطارئة بكفاءة أعلى، لِتشكِّلَ إطار عمل وطني باتَ حضوره واستدعاؤه في تفاصيل الممارسة اليوميَّة للمؤسَّسات ضرورة لا مناص منها، ما يعني أن يكُونَ اتِّجاه العمل إلى ما بعد الحالة مدخلًا لرسم ملامح التحوُّل في العمل المؤسَّسي والانطلاقة من هذه الأزمات والحالات الطارئة مُجتمعة، لمرحلةٍ متقدِّمة من العمل المؤطّر والموجّه والأداء المنظّم الَّذي يقرأ تفاصيل تأثيرات الحالات الطارئة وتداعياتها على البنية الأساسيَّة والعمرانيَّة وشبكات الطُّرق والنقل والمياه وأبعادها النفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة على حياة السكَّان وغيرها، وبالتَّالي أن لا تكُونَ الاستجابات الحكوميَّة مجرَّد إجراءات مؤقتة تنتهي بانتهاء الحالة، بل يَجِبُ أن تتَّجهَ نَحْوَ معالجة جذور المُشْكلة، من خلال دراسة أسباب تكرار الأضرار، مثل ضعف شبكات تصريف المياه، أو إقامة مساكن في مناطق معرَّضة، بَيْنَما يتجرع المواطن غصَّة تداعياتها وتراكماتها في انجراف بيته ومركبته ودخول الأودية إلى مزارعه، ما يعني أن تكُونَ هذه الأحداث محطَّات لإعادة تقييم الحالة الوطنيَّة وتصحيح المسار والوقوف على أدوات الفعل، لتجنُّب تكراريَّة الثغرات والحدِّ من استمراريَّة الحوادث والفواجع كُلَّما استمرَّت هذه الأنواء المناخيَّة، وأن يتَّجهَ الجهد الوطني لمختلف قِطاعات ومؤسَّسات الجهاز الإداري للدَّولة إلى العمل على حلِّ المُشْكلة من جذورها والتعامل مع السيناريوهات القادمة بالنظر إلى أساس المُشْكلة وقراءة واقع التحدِّي، بما يعنيه ذلك من دَوْر المنظومات المُجتمعيَّة الإسكانيَّة والبلديَّة والخدمات العامَّة وشبكات الطُّرق والصرف الصحِّي والمياه في استكشاف الخلل، والوقوف على عين المُشْكلة وقراءة نواتج هذه الأنواء، وحجم الأضرار الناتجة عن الحالة الطارئة.
ثانيهما: إعادة تقييم وتصحيح وضبط وترقية السياسات الوطنيَّة لتخطيط المُدن عامَّة والمخطَّطات السكنيَّة المنتشرة بالولايات والمحافظات في ظل التزام باستراتيجيَّات التخطيط العمراني الحضري، سواء ما يتعلق منها بشبكات الطُّرق وتخطيط الأراضي السكنيَّة أو مواقع الخدمات الرئيسة أو انسيابيَّة مجاري الأودية والتجاوزات الحاصلة على إحرامات الأودية لضمان عدم عرقلة انسيابيَّة مساراتها، فإنَّها بذلك تطرح الحاجة إلى مراجعة الأسباب الَّتي أدَّت إلى استمرار تأثير هذه الأنواء على البنية الأساسيَّة من قطع الطُّرق وشبكات المياه والصرف الصحِّي والاتصالات وانقِطاع الَّتيار الكهربائي، والأسباب الَّتي أسْهَمتْ في دخول الأودية إلى البيوت وتأثيرها على حياة الناس، ومعنى ذلك أنَّ اللحمة الوطنيَّة والوعي الاجتماعي والجاهزيَّة والاستباقيَّة في إدارة الحالات الطارئة رغم أهميَّتها الكبيرة إلَّا أنَّها تبقى بحاجة إلى مَن يمنحها القوَّة والاستدامة والتَّمكين، إنَّها بحاجة إلى جهد آخر يَقُوم على استدراك جانب التخطيط العمراني السليم والمنظَّم والمتفاعل مع أرضيَّة الواقع والمجسِّد لطبيعة البنية التضاريسيَّة، بحيثُ يتحول التخطيط العمراني من كونه مجرَّد مسوحات ورقيَّة بعيدة عن الواقع إلى الوقوف على الموقع، بحيثُ يَجِبُ أن تكُونَ عمليَّات التخطيط العمراني الحضري قائمة على فهمٍ دقيق لطبيعة الأرض، وأن تراعي مسارات الأودية، وتبتعد عن المناطق الخطرة، وبالتَّالي إعادة بنية التخطيط العمراني ودراسة توفير البدائل والحلول الإسكانيَّة، وإعادة تنظيم استخدام الأراضي للسكَّان القاطنين في المناطق المنخفضة أو أماكن جريان الأودية بأراضٍ أخرى في مخطَّطات إسكانيَّة أكثر ارتفاعًا وبعيدة عن مجاري الأودية، أو كذلك عَبْرَ تنفيذ حواجز إسمنتيَّة وجسور خرسانيَّة تربط بَيْنَ مجاري الأودية والسدود لِتتصلَ مباشرة مع البحر في المُدن الساحليَّة، بالإضافة إلى تَبنِّي استراتيجيَّات للتوسُّع في سدود الحماية وسدود التغذية الَّتي من الممكن إن تمَّ عملها بشكلٍ يرفع سقف المواصفات القياسية لها، أن تقلِّلَ من قوَّة انجراف الأودية ودخولها إلى المناطق السكنيَّة، ما يؤكِّد أولويَّة العمل على إنشاء بنية هندسيَّة ذات كفاءة عالية قادرة على استيعاب تدفُّقات المياه، مثل القنوات المائيَّة، والحواجز، والجسور المصمَّمة وفْقَ معايير حديثة، إضافة إلى التوسُّع في بناء السدود الَّتي تُسهم في تقليل سرعة اندفاع الأودية، وإزالة التعدِّيات على مجاري الأودية، وضمان انسيابها بشكلٍ طبيعي دُونَ عوائق.
وبالتَّالي، فإنَّ مرحلة ما بعد الحالة الجويَّة تتطلب مزيدًا من هذا التكامل، وتطوير آليَّات التنسيق، بما يَضْمن سرعة الاستجابة وكفاءة الأداء، مرحلة استثنائيَّة قوامها العمل الجادُّ والأداء الفعَّال، يتمُّ فيها تحويل التحدِّيات إلى فرص، وبناء منظومة وطنيَّة في إدارة ملفات هذه الحالة المرتبطة بالتأثيرات والأضرار الناتجة عنها على أرض الواقع، أكثر قدرة على التكيُّف مع التغيُّرات المناخيَّة، فإعادة الإعمار يَجِبُ أن تَقُوم على أُسُس علميَّة، تأخذ في الاعتبار الدروس المستفادة، وتعمل على تقليل المخاطر مستقبلًا. وفي هذا الإطار، تبرز أهميَّة تقييم الأضرار بشكلٍ دقيق، ووضع خطط استراتيجيَّة طويلة المدى، تشمل تطوير البنية الأساسيَّة، وتعزيز التخطيط العمراني، ودعم القِطاعات المتضررة، ورفع درجة الاستجابة في التعامل مع تأثيراتها على ممتلكات المواطنين. وأن يكُونَ دعم المتضررين من جرَّاء هذه الحالة الجويَّة أولويَّة، سواء من خلال التعويضات أو إعادة الإعمار، مع ضمان تطبيق معايير أكثر عمليَّة وعدالة في رصد هذه الأضرار والنسبة الَّتي تتحملها الحكومة من قِيمة هذه المشاريع أو الأموال أو الممتلكات بشكلٍ عام، فإنَّ ما فقَدَه المواطن من منزل أو مَركبة أو مزرعة لا يتطلب تعويضًا ماديًّا فقط، بل إشعاره بالأمان والثقة في المستقبل، الأمر الَّذي يضع عمليَّات التخطيط العمراني على المحك.
أخيرًا، يبقى السؤال: «ماذا بعد منخفض المسرَّات؟» رابطة وطنيَّة ومحطَّة تحوُّل لعمليَّة مستمرَّة من التقييم والمراجعة والتصحيح والتطوير، في ظل إرادة وطنيَّة واعدة، وتعاون مؤسَّسي فاعل، ووعي جمعي بصير، وقرارات تحافظ على درجة التوازنات بَيْنَ الحقوق والواجبات والوعي والمسؤوليَّة والالتزام، من أجلِ مستقبل أكثر أمانًا واطمئنانا، تتحقق فيه طموحات هذا الوطن العظيم بصفريَّة الخسائر في الأرواح، وتتعاظم فيه فرص الاستجابة الميدانيَّة الآمنة.
د.رجب بن علي العويسي