الثلاثاء 31 مارس 2026 م - 12 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

تحولات تجاوزت حدود الخيال الإنساني «1ـ2»

تحولات تجاوزت حدود الخيال الإنساني «1ـ2»
الثلاثاء - 31 مارس 2026 05:43 ص

سعود بن علي الحارثي

150

قَبل خمسة عقود كنَّا نواظب على ملازمة آبائنا وأعمامنا وأقراننا في السَّبلة صباحًا ومساء، وفيها نعتاد على الانضباط والاعتماد على النفْس، وملازمة القراءة والاستفادة من الحوارات والمناقشات الَّتي تَدُور بَيْنَ روَّاد السَّبلة في مختلف المجالات والشؤون المحليَّة والثقافيَّة والسياسيَّة وحقول المعرفة وعلوم الفِقه واللغة والأدب، وتشرُّب محتوى الأعراف والعادات وقِيَم المُجتمع وتقاليده. وبالمختصر المفيد، فحياة السَّبلة في تلك الفترة تصقل شخصيَّة الفرد وتغرسُ فيه الجُرأة والشَّجاعة والرَّزانة والنَّجابة والحكمة والمِراس وضبط النفْس ومكنات الخِطابة، وتهيئته للتعامل مع المستقبل بثقة واقتدار، والتَّفاوض مع النَّاس بمهارة وبراعة في مختلف المجالات الَّتي ترتبط بأهدافه وأعماله وهواياته، والمسارات والطُّرق الَّتي تُحقِّق متطلَّباته وتطلُّعاته ورغباته لبلوغ النجاح. لقَدْ كانتِ العادات صارمةً جدًّا، والسَّاعات تمضي بطيئة، والأخبار تصل متأخرةً، والحياة قاسية، والسِّلع والبضائع شحيحة، ومُكوِّنات الوجبة الغذائيَّة لا تتعدى في العادة الصِّنف الواحد المعروف من الأرز الَّذي لا يكاد يشبع جوع أفراد الأُسرة، وبقضاء صلاة العشاء يغطُّ الجميع في نومٍ عميق، بعد نهار جهيد وبرنامج عمل شاقٍّ. فأبناء القريَّة أو الحارة والبلدة لا يعنيهم ما يحدُث خارج عالمهم الصغير من حروب وصراعات ومؤامرات ومماحكات وتطوُّرات وكوارث وثورات علميَّة وتحوُّلات سياسيَّة وتغييرات في نُظم الحُكم... فانشغالاتهم وساعاتهم ومنتهى اهتماماتهم مرتبطة بحصص الفلج ومناسيبه، وثمار النَّخلة وحصادها، والتحضير والمشاركة الإيجابيَّة في مناسباتهم الاجتماعيَّة والدينيَّة، وخدمة مُجتمعهم وصيانة مَرافقهم الصغيرة ومعالجة مُشْكلاتهم اليوميَّة، وتوفير لقمة العيش ومستلزمات أُسرهم الضروريَّة والأساسيَّة، وتقصِّي أخبار مَن غابَ عنهم في سفر، لعملٍ أو حجٍّ أو زيارة... حيثُ تمضي الحياة رتيبة مملَّة عصيَّة على التغيُّرات المحسوسة والتطوُّرات الملموسة والتحوُّلات العميقة؛ فبضعة أجيال يولدون ويشبُّون ويهرمون وتنقضي آجالهم، وأجيال جديدة تحلُّ محلَّهم ونمط الحياة في العيش والعادات والممارسات والسلوكيَّات والاهتمامات، والبرنامج اليومي والوسائل والأدوات الَّتي تستخدم تظلُّ كما هي عليه مع استثناءات وتطوُّرات محدودة جدًّا تكاد لا تُرى ولا تُحْدث أثرًا كبيرًا ولا انعكاسات حادَّة. ففي طفولتنا لم تكُنْ خدمات الكهرباء والماء وشبكات الطُّرق والاتِّصالات والأسواق والأحياء الحديثة وثقافة الترفيه العصريَّة والسَّفر متوافرة بعد، وفي شهر رمضان المبارك في فصل الصَّيف القائظ كنَّا نغمر أغطيتنا بماء بارد لِنتمكَّنَ من درء موجات الغربي الحار وأخذ قيلولة قصيرة جدًّا. وفي أوَّل رحلة بشاحنة «البيد فورد»، من قريتي «المضيرب» حتَّى مسقط أخذْنا يومًا كاملًا في طريق وعرٍ وشاقٍّ يكاد يحطِّم عظام الجسد وأعضاءه، ونقف باستمرار لإزاحة الحجارة الضخمة الَّتي تُعيق مسارنا ونُمهِّد الدَّرب لِتتمكَّنَ المَركبة من السَّير، فقَدْ كنَّا أبعد ما نكُونُ عن العصرنة وازدهار المعيشة وحياة الرفاه الَّتي يعيشها أبناؤنا اليوم. أمَّا العلاج والتداوي ـ كما أشرتُ إليه في مقال قديم ـ «... فيتمُّ عن طريق الأعشاب والكَيِّ والعلاجات والوصفات التقليديَّة الَّتي تمتزج بالجهل والمفاهيم والممارسات الخاطئة، وتُعاد أسباب الكثير من الأمراض إلى مسٍّ من جان أو أعمال السِّحر أو حاسد أو عمل إنساني بغيض، فيلجأ المرضى إلى التعاويذ والقراءات واجتهادات لا علاقة لها بالمرض الَّذي يفتقد إلى التشخيص السَّليم، تفقد المريض حياته وتسلبه الكثير من المال. وكم من الحالات الَّتي غادرت دنيانا لهذا السَّبب. وكم من الناس ماتوا في الطريق وهم على ظهور الجِمال والحمير في طريقهم إلى مطرح، فوافاهم الأجل قَبل بلوغ الأمل بالمثول أمام يد الطبيب توماس. أمَّا المقتدرون من الشخصيَّات وأصحاب المقامات الاجتماعيَّة الرَّفيعة الَّذين يملكون المال والعلاقات ويستطيعون الحصول على الجواز ومغادرة البلاد، ويسعفهم وضعهم الصحِّي فيتوجهون إلى الهند أو البحرين أو الكويت لتلقِّي العلاج، ووثَّق الكثير من النصوص الأدبيَّة النثريَّة والشعريَّة لهذه الرحلات، وقدَّم وصفًا دقيقًا لنوعِ وشكلِ العلاج والوصفات الطبيَّة والعمليَّات الجراحيَّة الَّتي تُجرى في مستشفيات هذه الدول، ما يؤكِّد على تقدُّم الطِّب فيها مقارنةً بعُمان الَّتي لا يتوافر فيها أكثر من بضع عيادات متواضعة للغاية في الإمكانات والوسائل والأدوات وحتَّى في عدد الكادر الطبِّي في مطرح وعدد محدود من المُدن...»، وروَّاد السَّبلة يتنسَّمون الأخبار واستقصاء ما يحدُث في عالمهم الخارجي ممَّن يصل إليهم من سفرٍ بعيد أو قريب، والأحداث الكبرى تستغرق أيَّامًا وأسابيع وأشْهُرًا إلى أن تصلَ إلينا وقد تصبح عند وصولها قديمة. وفي مقال لي نشرته مجلَّة «الحرس السُّلطاني العُماني»، قَبل سنوات قليلة وصفتُ لحظة تقلُّد ـ المغفور له بإذن الله تعالى ـ جلالة السُّلطان قابوس بن سعيد المُعظَّم لمقاليد الحكم مشيرًا إلى حقيقة الوضع الَّذي نعيشه آنذاك وتأخُّر وصول الأخبار «.... كان الجميع يصغي إلى بضعة أفراد هم مَن يمتلك في تلك الأيَّام جهاز راديو أو لدَيْهم علاقة أو صِلَة مع شخصيَّات كانت حاضرةً للمشهد في مسقط أو لدَيْها تواصُل ما، لكلمات جلالته الحلم والأمل والنور (إنَّنا نعاهدكم بأنَّنا سنَقُوم بواجبنا تجاه شَعب وطننا العزيز. كما أنَّنا نأمل، أن يَقُومَ كُلُّ فردٍ منكم بواجبه لمساعدتنا على بناء المستقبل المزدهر السَّعيد المنشود لهذا الوطن... إنَّ الحكومة والشَّعب، كالجسد الواحد، إذا لم يَقُمْ عضو منه بواجبه اختلَّتْ بقيَّة الأجزاء في ذلك الجسد...). هل الليلة الاستثنائيَّة الَّتي عاشتها المضيرب والقُرى القريبة منها كانت ذاتها الليلة الَّتي ختمت بها يوم الثالث والعشرين من يوليو يوم إشراقة النهضة العمانيَّة المباركة؟ أم كانت ليلة تالية لها؟ لا أستطيع أن أجزمَ وأؤكدَ فكُلُّ ذلك أراه اليوم كالحلم، فقَدْ كنتُ في الرابعة أو الخامسة من العمر كما ذكرتُ، وكانتِ الاتصالات والمواصلات بدائيَّة، وأحداث الولاية في المحافظة الواحدة تتطلب ساعات أو يومًا كاملًا أو أكثر من ذلك إلى أن تصلَ إلى سكَّان الولايات الأخرى الَّتي تشترك معها، فكيف بما يحدُث في صلالة أو مسقط؟» ... عندما عملتُ في المجلس الاستشاري للدَّولة في بدايات الثمانينيَّات من القرن المنصرم، وفي العديد من المواقف، أثناء تنفيذ زياراتنا الميدانيَّة، نضطرُّ للتوقف ساعات على ضفاف وادٍ جارفٍ لا تستطيع سيَّارات الحكومة ذات الدفع الرباعي «اللاندكروزر» تجاوزه، ولا توجد لدَيْنا وسيلة تواصُل للتحدُّث مع والي الولاية الَّذي ينتظرنا مع الشيوخ وشرائح المُجتمع المستهدفة من اللقاء، وهكذا يهدر الوقت والطاقات، وتُعطَّل لقاءات مهِمَّة، ويؤجَّل تنفيذ البرنامج؛ لأنَّنا لا نمتلك وسيلة اتِّصال حديثة، والأمثلة كثيرة جدًّا.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]