الثلاثاء 31 مارس 2026 م - 12 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : نجاح اقتصادي يتحدى الأزمات

أضواء كاشفة : نجاح اقتصادي يتحدى الأزمات
الثلاثاء - 31 مارس 2026 04:43 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

10


رغم التطورات المتسارعة الَّتي تشهدها المنطقة في ظل التوترات الجيوسياسيَّة المتزايدة يبرز النموذج العُماني بوصفه مثالًا لافتًا على كيفيَّة إدارة التحدِّيات بحكمة واتزان بما يُحقِّق الاستقرار الاقتصادي، ويحافظ على توازن دقيق بَيْنَ الداخل والخارج.. فالسياسة العُمانيَّة الَّتي طالَما اتَّسمتْ بالاعتدال أثبتتْ قدرتها على امتصاص الصدمات الإقليميَّة والدوليَّة دُونَ أن تنعكسَ بشكلٍ حادٍّ على الأداء الاقتصادي أو الاستقرار المُجتمعي.

وممَّا يدلُّ على ذلك تقرير وكالة «ستاندرد آند بورز» الَّذي صدر مؤخرًا بشأن تثبيت التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان عند مستوى الدرجة الاستثماريَّة «-BBB» مع نظرة مستقبليَّة مستقرَّة، وهو ما يحمل دلالة واضحة على صواب النهج الاقتصادي والسياسي الَّذي تنتهجه سلطنة عُمان في إدارة مواردها والتعامل مع التحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة.. فهذا التقييم لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى معطيات دقيقة ومؤشِّرات تعكس متانة الاقتصاد العُماني وقدرته على الصمود في بيئة جيوسياسيَّة شديدة التعقيد.

إنَّ ما يميِّز التجربة العُمانيَّة هو قدرتها على تحقيق توازن دقيق بَيْنَ الاستقرار المالي والانفتاح الاقتصادي دُونَ الانجرار وراء تقلُّبات المشهد الإقليمي.. ففي الوقت الَّذي تعاني فيه العديد من دول المنطقة من تداعيات التوتُّرات السياسيَّة واضطرابات سلاسل الإمداد تؤكِّد البيانات الواردة في التقرير أنَّ السَّلطنة تمكنت من الحفاظ على استقرار مركزها المالي والخارجي، مستفيدةً من احتياطيات قويَّة وأُصول حكوميَّة سائلة تتجاوز (40%) من الناتج المحلِّي الإجمالي.. وهذه الأرقام تعكس بوضوح وجود عوامل أمان حقيقيَّة تتيح للسَّلطنة امتصاص الصدمات دُونَ التأثير سلبًا على استدامة الماليَّة العامَّة.

كما أنَّ الاحتياطيات الأجنبيَّة الَّتي تقارب (20%) من الناتج المحلِّي الإجمالي تُشكِّل دعامةً إضافيَّة تُعزِّز الثقة في الاقتصاد الوطني، خصوصًا في ظلِّ تقلُّبات الأسواق العالميَّة.. ولا يقتصر الأمر على مجرَّد تراكُم الاحتياطيات، بل يرتبط بكفاءة إدارتها وتوظيفها ضِمن رؤية استراتيجيَّة طويلة الأمد، وهو ما يفسِّر قدرة السَّلطنة على الحفاظ على استقرار سعر الصرف واستمرار تدفُّق الاستثمارات.

ومن اللافت في تقرير الوكالة الدوليَّة الإشارة إلى أنَّ الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان أسْهمَ في استمرار تصدير النفط والغاز دُونَ انقِطاع رغم التوتُّرات الجيوسياسيَّة الَّتي تشهدها المنطقة.. غير أنَّ هذا العامل الجغرافي لم يكُنْ لِيؤتيَ ثماره لولا السياسة العُمانيَّة المتزنة الَّتي تَقُوم على الحياد الإيجابي وتجنُّب الانخراط في الصراعات، وهو ما وفَّر بيئة آمِنة ومستقرَّة للنشاط الاقتصادي.. فالجغرافيا وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى إدارة سياسيَّة حكيمة، وهو ما نجحت فيه السَّلطنة بامتياز.

أمَّا على صعيد الماليَّة العامَّة فيعكس توقع تحقيق التوازن في ميزانيَّة عام 2026م بعد أن كانتِ التقديرات تُشير إلى عجز طفيف نجاح السياسات الحكوميَّة في ضبط الإنفاق، وتعزيز الإيرادات غير النفطيَّة.. كما أنَّ التوقُّعات بتحقيق فوائض ماليَّة خلال السنوات القادمة ولو بِنِسَبٍ محدودة تؤكِّد أنَّ الاقتصاد العُماني يَسير في الاتِّجاه الصَّحيح نَحْوَ الاستدامة الماليَّة بعيدًا عن الاعتماد المفرط على العائدات النفطيَّة.

ولا يقلُّ أهميَّة عن ذلك التراجع المتوقع في نِسبة الدَّيْن العام إلى الناتج المحلِّي الإجمالي، حيثُ تُشير التقديرات إلى انخفاضه إلى (31%) بحلول عام 2029م.. وهذا المؤشِّر يعكس التزام الحكومة بإدارة الدَّيْن بكفاءة وتقليل المخاطر المرتبطة به بما يُعزِّز من الجدارة الائتمانيَّة ويمنح الاقتصاد مرونةً أكبر في مواجهة الأزمات.

وفي جانب النُّمو الاقتصادي رغم التوقُّعات بنموٍّ معتدل في عام 2026م إلَّا أنَّ التحسُّن المتوقع في السنوات القادمة مدفوعًا بنشاط القِطاعات غير النفطيَّة يؤكِّد نجاح استراتيجيَّة التنويع الاقتصادي الَّتي تَسير عليها سياستنا الحكيمة.. فقد أدركتِ سلطنة عُمان أنَّ المستقبل لا يُمكِن أن يُبنى على النفط وحده، ولذلك اتَّجهت إلى تطوير قِطاعات واعدة مثل الطاقة المُتجدِّدة والهيدروجين الأخضر في خطوةٍ تعكس رؤية استشرافيَّة تتماشى مع التحوُّلات العالميَّة في مجال الطاقة.. فقد أدركتِ السَّلطنة مبكرًا أنَّ الاعتماد المفرط على مورد واحد كقِطاع النفط يُمثِّل نقطة ضعف في ظلِّ تقلُّبات الأسواق العالميَّة، لذلك انتهجت سياسة تنويع اقتصادي مدروسة ركَّزتْ على تطوير قِطاعات حيويَّة مثل السياحة والخدمات اللوجستيَّة والصناعات التحويليَّة.. وهذا التوَجُّه لم يكُنْ مجرَّد خيار اقتصادي، بل كان قرارًا استراتيجيًّا يعكس رؤية بعيدة المدى تهدف إلى بناء اقتصاد مَرِن قادر على التكيُّف مع مختلف الظروف.. ومع تصاعد الأزمات في المنطقة من نزاعات سياسيَّة إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد أثبتَ هذا التنويع أهميَّته في تقليل المخاطر وتعزيز الاستدامة.

كذلك استقرار معدَّلات التضخُّم عند مستويات منخفضة يعكس نجاح السياسات النقديَّة والماليَّة في الحفاظ على التوازن الاقتصادي، وهو ما ينعكس إيجابًا على مستوى المعيشة ويُعزِّز من ثقة المستثمرين.

وإذا كانت الإدارة الماليَّة الرشيدة من أبرز ركائز الاستقرار الاقتصادي في السَّلطنة.. فإنَّه لا يُمكِن إغفال دَوْر الاستقرار الاجتماعي في دعم الاقتصاد، حيثُ حرصت القيادة الحكيمة على الحفاظ على مستوى معيشة المواطنين وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعيَّة بما يَضْمن تماسُك المُجتمع في مواجهة الضغوط.. فالاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقرار الاجتماعي، وأيّ خلَلٍ في أحدهما ينعكس بالضرورة على الآخر.. ومن خلال سياسات متوازنة استطاعتِ السَّلطنة تحقيق هذا الترابط الحيوي. إنَّ ما حقَّقته سلطنة عُمان من استقرار اقتصادي في ظلِّ بيئة إقليميَّة مضطربة لم يكُنْ وليد الصدفة، بل نتيجة لسياسات مدروسة تجمع بَيْنَ الحكمة والمرونة.. ولقد قدَّمت عُمان نموذجًا يُحتذى به في كيفيَّة إدارة الأزمات دُونَ الانزلاق إلى ردود فعل متسرعة مع الحفاظ على مصالحها الوطنيَّة وتعزيز مكانتها الاقتصاديَّة.. وفي وقت تتزايد فيه التحدِّيات يبدو أنَّ هذا النهج المتَّزن سيظلُّ أحد أهم عوامل القوَّة الَّتي تمكِّن السَّلطنة من مواصلة مَسيرتها بثبات وثقة نَحْوَ المستقبل.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني