الثلاثاء 31 مارس 2026 م - 12 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية والحضارة الإسلامية «كاريزما المرأة1»

فن الدبلوماسية والحضارة الإسلامية «كاريزما المرأة1»
الثلاثاء - 31 مارس 2026 04:41 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

10


يُعَدُّ العصر الإسلامي وعلى مدى مراحله المتعدِّدة شمس نوَّرت الطريق لكُلِّ البشريَّة من حيثُ التعاليم السماويَّة الراقية في تمدُّن الحياة وانتقالها من العصور الجاهليَّة السوداء في كُلِّ شيء إلى قمَّة الحياة المبنيَّة على العدل والمساواة والمَحبَّة والإخاء، والانفتاح على العالم بقلب واسع يشعُّ بالخير وحُب الجميع. وعند بزوغ رسالة الإسلام الشريفة على يد خاتم المرسلين سيِّدنا محمد ـ عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام ـ الَّذي بشَّر بمبادئ الدِّين الحنيف، أرسى دعائم المَدنيَّة العصريَّة في كُلِّ شيء، ومنها فنون الدبلوماسيَّة. ونتطرق اليوم إلى إتيكيت المرأة العربيَّة الأصيلة والقياديَّة وأنشطتها وحياتها اليوميَّة، سواء على المستوى الرَّسمي أو الاجتماعي. كان العصر الإسلامي زاخرًا بهذا المجال وهو إتيكيت وبروتوكول المرأة العربيَّة وكيفيَّة تعاملها مع مختلف شرائح المُجتمع. يُعَدُّ الرسول الكريم هو القدوة للبشريَّة في كُلِّ شيء وبلا منازع في إرساء مُقوِّمات احترام المرأة، وإعطاء قِيمتها الحقيقة في جميع الأنشطة وإن كانت منزليَّة. وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يحثُّ المُجتمع الإسلامي ويضع اللَّمسات الربانيَّة في إبراز صورة المرأة العربيَّة بأفضل ما يكُونُ، بعيدًا عن التقوقع في بوتقة الجاهليَّة أو التطرف أو الانزواء في الأركان الضيِّقة من الحياة الَّتي خلَقَها الله لنا لِنعملَ بكُلِّ إخلاص وتفانٍ وتضحيَّة تحت مظلة دِيننا الحنيف.

تتبارى مختلف المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة حَوْلَ طبيعة بروتوكول وإتيكيت التعامل مع المرأة، والتباهي باحترام وأسبقيَّة المرأة في كافَّة أنشطة الحياة الرسميَّة وغير الرسميَّة، وبروتوكول التعامل معها في الحياة العمليَّة والأسريَّة. وقَدِ اقتبستِ الكثير من المدرسة الدبلوماسيَّة الإسلاميَّة عمومًا والعربيَّة خصوصًا.

وكُلُّ مدرسة تتسابق بوضع بنود بروتوكول وإتيكيت كيفيَّة التعامل مع المرأة العربيَّة بوجْهٍ خاصٍّ والأجنبيَّة بوجْهٍ عامٍّ، سواء من ناحية التصرف أو الظهور بمظهر جميل وحسَن، أو التميُّز في العمل، أو من خلال أُسلوب التَّفاني بكُلِّ مفردات شخصيتها، وكثيرًا ما تدرس لغة الجسد للمرأة في اللقاءات الرسميَّة أو الشخصيَّة لِتعكسَ شخصيَّتها.

أصبحتْ مراسم البروتوكول والإتيكيت في العالم الحديث المتحضر هو البطاقة التعريفيَّة الَّتي تقدِّمها للناس من الناحية الرسميَّة أو الاجتماعيَّة، وكما هو معلوم بأنَّ البروتوكول هو حزمة من القواعد والإجراءات وقواعد الأسبقيَّة الَّتي يَجِبُ مراعاتها. أمَّا الإتيكيت هو حُسن التصرف والسلوك الراقي المهذَّب بمنتهى اللياقة مع الآخرين، وإذا كان البروتوكول يختصُّ بالعموميَّات فإنَّ الإتيكيت يختصُّ بالتفاصيل الدقيقة والسلوك الاجتماعي المهذَّب منها أو الشخصيَّة العائليَّة. نلاحظ أنَّ المدرسة الإسلاميَّة ورسولنا الكريم أعطى أرقى الأمثلة للعالم أجمع، ووضع كُلَّ القواعد السَّامية والرَّصينة الَّتي حافظتْ على المكانة المحترمة والسَّامية للمرأة في كُلِّ شؤون الحياة، وجعلها الجوهرة الَّتي لا ينطفئ ضياؤها لأهميَّة المرأة في شأن رُقي المُجتمعات بدءًا من العائلة الصغيرة، وصولًا إلى بناء المُجتمعات الكبيرة.

عندما تُذكر الحقبة الأمويَّة، لا تُذكر إلَّا مقرونةً بذِكر نسائها ومكانتهنَّ السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وفعاليَّتهنَّ في المُجتمع الجديد الَّذي بدأتْ تطرأ عليه تغييراتٌ جعلته يُعِيد تشكيل نفْسه، مستجيبًا للمعايير الحضارة الإسلاميَّة الَّتي غُرست فيه، ومتفاعلًا مع الانفتاح الحضاري الَّذي باغته بعامل الفتوحات الممتدَّة.

وكان هذا العصر قد شهد تحوُّلًا حاسمًا في تاريخ المُجتمع الإسلامي بعد أن مهَّد له عصر صدر الإسلام، فانتقل في جزء منه من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضر؛ فمن أعلام النساء في العصر الأموي سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، أعلم النساء، وأحسنهنَّ أخلاقًا في زمنها، وكان الشعراء يتوافدون على سكينة ينشدون بَيْنَ يدَيْها الشعر بغية نقدِه والتفضيل بَيْنَهم مكانةً شاعريَّة. ويُروى أنَّ الفرزدق وهو من أعلام شعراء العصر الأموي وبَيْنَه الشاعر جرير سجالات شعريَّة تُعرف بـ»النقائض»، وكذلك أُم البنين زوجة الخليفة عبد الملك بن مروان، قَدِ اشتهرتْ بالفصاحة والبلاغة وقوَّة الحجَّة وبُعد النظر، وكانت لها مكانة كبيرة عند زوجها الوليد، وكان يستشيرها في كثير من أمور الدولة. فيوصف العصر الأموي في أوجه بأنَّه «الشمس في ضحاها» [1] ولا يمرُّ ذكر العصر الأموي دُونَ أن يُفتحَ أمام السَّامع إلَّا مقرونًا بذِكر نسائه ومكانتهنَّ السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة.

في الختام، كان للمرأة العربيَّة في العصر الأموي النصيب في التغيُّرات الَّتي طرأتْ على المُجتمع العربي عقائديًّا وثقافيًّا وجغرافيًّا، واجتمعتْ هذه العوامل فأبرزتِ المرأة وصدَّرتها للواجهات الاجتماعيَّة والثقافيَّة والشعريَّة، حيثُ امتازتِ المرأة الأمويَّة بالبروز ثقافيًّا، والقوَّة والجرأة في مقابلة الرجال والتحدُّث معهم في الثقافة والأدب والفنِّ والسياسة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: الجزيرة الثقافيَّة

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت