الثلاثاء 31 مارس 2026 م - 12 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : تشريع الإعدام يحول القانون إلى أداة إرهابية

الثلاثاء - 31 مارس 2026 03:34 م

رأي الوطن

90


يُمثِّل إقرار الكيان الصهيوني لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لحظةً فارقة في مسار الصراع، حيثُ ينتقل المشهد من مستوى الانتهاكات الميدانيَّة إلى مستوى أكثر خطورة يَقُوم على تقنين القتل ومنحه غطاءً تشريعيًّا رسميًّا، وهو تحوُّل يكشف طبيعة مرحلة جديدة تُدار بعقليَّة انتقاميَّة مؤسَّسيَّة تسعى إلى إعادة تعريف القانون نفْسه كأداة صراع تُستخدم لفرض الهيمنة وكسر الإرادة الفلسطينيَّة. فالقانون في صورته التقليديَّة يفترض أنْ يكُونَ أداةً لتحقيقِ العدالة وضبط السلوك، بَيْنَما يتحول إلى وسيلة تمنح شرعيَّة لفعلِ القتل داخل إطار منظَّم، في مشهد يطرح تساؤلًا حادًّا حَوْلَ معنى العدالة حين تكتب نصوصها تحت تأثير القوَّة المتَّسمة بالصَّلف الصهيوني، ويعكس في الوقت ذاته طبيعة حكومة إرهابيَّة تتبنَّى خطابًا متطرفًا يرى في تصفية الخصم حلًّا سياسيًّا، ويكشف أنّ ما يجري يُعَبِّر عن توَجُّه استراتيجي يُعِيد صياغة قواعد الاشتباك بالكامل، ويفتح الباب أمام مرحلة يُصبح فيها التشريع نفْسه جزءًا من أدوات المواجهة.

وتتجلَّى خطورةُ هذا التشريعِ الإرهابي بصورةٍ أكثر وضوحًا عند النظر إلى واقع الأسرَى الفلسطينيين ومكانتهم القانونيَّة والإنسانيَّة، حيثُ يُمثِّل هؤلاء الأسرَى تجسيدًا حيًّا لفكرة النضال من أجْلِ الحُريَّة والاستقلال، ويحملون في وجدان الشَّعب الفلسطيني وكُلِّ الشعوب الحُرَّة معنى التَّضحية والصُّمود في وجْهِ قوَّة احتلالٍ غاشمةٍ تفرض واقعها بالقوَّة العسكريَّة والتشريعيَّة، على الرّغم من أنَّ قواعد القانون الدّولي الإنساني تؤكِّد أنَّ الأسرَى يتمتعون بحماية قانونيَّة واضحة تكفل لهم المعاملة الإنسانيَّة والمحاكمة العادلة، وهو ما يجعل أيَّ محاولةٍ لتصنيفِهم كمُجرِمِين تمهيدًا لإعدامهم انتهاكًا صارخًا لهذه القواعد، ويكشف عن إصرار الكيان الصهيوني على قلبِ الحقائق وتزييف المفاهيم لخدمةِ مشروعه الاستعماري، فكيف يُمكِن لجهةٍ متورِّطة في جرائم قتلٍ وتهجيرٍ وتدمير أنْ تدَّعيَ حقَّ إصدار الأحكام على ضحاياها؟ وكيف يُمكِن لِمَن يمارس القتل اليومي أنْ يمنحَ نفْسه سُلطةَ تقريرِ الحياةِ والموت؟ إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف بوضوح أنَّ ما يجري يتجاوز حدود التشريع إلى محاولة فرض رواية قسريَّة تنزع الشرعيَّة عن النِّضال الفلسطيني، وتمنح الغطاء لجرائم تُرتكَب تحت مظلَّة قانون مفصَّل على مقاس القوَّة.

إنَّ هذا التشريع لا يُمكِن فصْلُه عن سياقٍ أوسعَ من السياسات الإرهابيَّة الممنهجة الَّتي تستهدف الوجود الفلسطيني في مختلف الجغرافيا، حيثُ يتزامن مع اعتداءات متصاعدة على المقدَّسات الإسلاميَّة والمسيحيَّة في القدس المُحتلَّة، وقيود قسريَّة على حُريَّة العبادة، وعُنْف يومي يُمارَس بحقِّ المَدَنيين في الضفَّة الغربيَّة وقِطاع غزَّة، وهو ما يعكس منظومة متكاملة تسعى إلى فرضِ واقعٍ جديد بالقوَّة وطمْسِ الهُوِيَّة الفلسطينيَّة، ويؤكِّد أنَّ ما يجري تخطَّى التَّصعيد المرحلي، وأضْحَى توَجُّهًا شاملًا يُعِيدُ تشكيل طبيعة الصِّراع نَحْوَ مستويات أكثر خطورةً، حيثُ تتحوَّل أدوات الضغط من عسكريَّة إلى قانونيَّة وتشريعيَّة بهدف إضفاء طابع دائم على هذه الممارسات، بما يفتح الباب أمام مرحلة تتَّسع فيها دائرة المواجهة وتزداد فيها حدَّة التوتُّر، ويضع المنطقة بأكملها أمام مشهد مفتوح على احتمالات أكثر تعقيدًا.

إنَّ هذا الواقع يضع المُجتمع الدّولي أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرته على حماية ما تبقَّى من منظومة القانون الدّولي، حيثُ تتكرر الإدانة دُونَ أثَرٍ ملموس، وتصدر البيانات دُونَ أنْ تقترنَ بإجراءات قادرة على ردع هذه السِّياسات، وهو ما يُعزِّز شعور الكيان الصهيوني بإمكان المُضيِّ قُدُمًا في نهجِه دُونَ تكلفة حقيقيَّة، ويكشف عن خلَلٍ عميق في آليَّات تطبيق العدالة الدوليَّة الَّتي تبدو رهينة لموازين القوَّة أكثر من ارتباطها بالمبادئ، ويطرح ضرورة الانتقال من حالة الانتظار إلى بناء أدوات ضغط حقيقيَّة سياسيَّة واقتصاديَّة وإعلاميَّة قادرةٍ على فرضِ واقعٍ جديد يُعِيدُ الاعتبار للحقوق الفلسطينيَّة، ويؤكِّد أنَّ العدالة تتحقَّق بالنُّصوص، وبالقدرة على حمايتها وصيانتها في مواجهة مَن يحاول إعادة صياغتها وفَقْ منطق القوَّة.