مسقط ـ العُمانية: برزت الهُوية الوطنية العُمانية كركيزة أساسية لتعزيز حضور المجتمع الإنساني، بما يتوافق مع التمسك بالثوابت القيمية والسمت العُماني الأصيل الذي لطالما تميز الإنسان العُماني منذ أمد بعيد. فالهُوية العُمانية بما تحمله من تاريخ عريق وقيم راسخة مستمدة من الدين واللغة والتراث، مثلت (قوة ناعمة) فاعلة ومؤثرة، تضمن ثبات المجتمع في مواجهة التحديات الفكرية والثقافية، سواء في الواقع الملموس أو في الفضاء الرقمي المفتوح، معززةً بذلك حضور سلطنة عُمان كنموذج رائد في التوازن والاعتدال.
وفي هذا الجانب، ذكر الدكتور رجب بن علي العويسي، خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية بمجلس الدولة، أن مجتمع سلطنة عُمان عاش في عالم متغير وظروف متغايرة، تأثر فيها بالثقافات والمتغيرات وأثر فيها، ومع ذلك فإن مساحة التوازنات التي التزمت بها الثقافة العُمانية وسياسة الانفتاح أوجدت في فكر العُمانيين مساحةً كبيرةً من الهدوء والحكمة. وأشار إلى أن الشخصية العُمانية صُقلت بميزان البصيرة والاستقرار والمصداقية والتسامح، ما عزز قدرتها على التكيف مع الظروف بمهنية عالية دون فقدان الجوهر.
وأكد أن هذه التوازنات حفظت للشخصية العُمانية موقعها في القضايا الدولية، حيث استُثمرت التقنية الحديثة في مواجهة التغيرات الثقافية، ولم تواجه سلطنة عُمان في العولمة أي تصادمات، بل ابتكرت وسائل تعزز الاستفادة من التراث الثقافي وتحويله إلى فرص اقتصادية وسياحية واعدة. وأوضح أن النهج الوطني الذي سارت عليه البلاد أوجد فرادةً وخصوصية، حيث استثمر الشباب الثقافة في بناء «اقتصاد المعرفة» ورفع درجة توظيف السياحة الثقافية، مما جعل عُمان وجهةً عالميةً بامتياز، مع تصاعد الوعي المجتمعي والغيرة الوطنية على القيم والسمت العُماني الأصيل الذي يرفض أي ممارسات تتنافى مع الأخلاق العامة.
ومن منظور قيمي وعملي حول تأثير التكنولوجيا، أكد منذر بن عبدالله بن سعيد السيفي، باحث شؤون دينية بمكتب وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، أن المجتمع العُماني تميز بمزايا تختلف عن بقية الشعوب من حيث تمسكه بقيمه الراسخة ومبادئه السامية التي شكلت جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية.
وأوضح السيفي أن هذه القيم هي التي دفعت عجلة التنمية وساهمت في الحفاظ على تماسك الأفراد. مشيرًا إلى أن الخطابات السامية شددت على الاعتزاز بالهوية والانفتاح المتوازن، وأن قيم التسامح والانتماء والمسؤولية الجماعية هي نهج أصيل وثقافة متأصلة تعزز التعايش السلمي، كما أن الفضاء الرقمي بات اليوم بيئة تعيد صياغة العقلية الشابة وفق أسس قد تختلف عن التربية التقليدية، محذرًا من «سيولة القيم الرقمية» التي تضعف الثوابت وتحول الإنسان إلى كائن مستهلك يبحث عن النجاح في المظاهر الزائفة لا في المبادئ الحقيقية.
وفيما يتعلق بكيفية الموازنة بين المعاصرة والأصالة، أوضح أحمد بن عبيد بن الخالدي، مختص الابتكار التقني، أن الشباب العُماني اليوم يمتلك القدرة على الموازنة بين الانفتاح العالمي والحفاظ على خصوصيته من خلال إدراك أن الهوية ليست جدارًا يعزل الشاب عن العالم، بل هي جذور صلبة تمنحه الثقة للتفاعل باتزان.
وأشار الخالدي إلى أن الانفتاح الحقيقي لا يعني التقليد الأعمى، بل يعني المشاركة الواعية التي تقدم النموذج الأخلاقي العُماني كقيمة مضافة، مؤكدًا أن الانفتاح غير المدروس قد يتحول إلى سلاح ذو حدين يؤدي إلى تراجع قيمي يفتح الباب للأفكار الدخيلة، متوقفًا عند «السؤال اليوم» ليس «هل ننفتح؟» بل «كيف ننفتح؟» بوعي ومسؤولية تحمي مجتمعنا وتطوره في آنٍ واحد.
من جانبها، أوضحت الدكتورة حنان بنت محمود أحمد، مختصة في الهوية الوطنية والثقافة، أن الهوية الوطنية تتكون من سمات مشتركة تميز الشعب العُماني عن غيره، وتتجلى بوضوح في قيم السلام ونشر التسامح وحل النزاعات بالطرق السلمية.
وذكرت أن التاريخ العُماني مليء بالمشاهد التي تؤكد حرص العمانيين على هويتهم المتفردة، مما جعل السلطنة قبلة للدبلوماسية الدولية المتزنة، حيثما توجه العُماني عُرف بسمته الأصيل الذي لا يتزعزع.
وذكرت أن التحدي الأكبر الذي يواجهه العالم اليوم يكمن في الغزو الفكري عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، ما زاد من المسؤولية الملقاة على عاتق الأسرة والمؤسسات لتكثيف الرقابة وتحصين الأبناء بأخلاقيات التعامل الرقمي. وأكدت أن التوعية بمفاهيم «المواطنة الرقمية» باتت ضرورة ملحة لحماية الناشئة من الأفكار التي لا تتناسب مع قيمنا العُمانية العربية الإسلامية. ودعت الشباب العُماني إلى الاعتزاز بالفخر بالتراث والمشاركة المجتمعية الفاعلة التي تعكس جوهر الهوية العُمانية الأصيلة، مشيرةً إلى أن الانتماء والولاء للوطن يترجمان من خلال تفعيل الرقابة الذاتية والوعي بمفاهيم المشاركة البناءة.