ينطلق طرحنا لهذا الموضوع من فرضيَّة التأثير العميق الَّذي أحدثته الأنواء المناخيَّة ومنها: منخفض «المسرَّات»، الَّذي تعرَّضتْ له سلطنة عُمان، ودَوْره في تشكيل ملامح الثقافة القانونيَّة لدى المُجتمع، وما رافق ذلك من إجراءات وتدابير اتَّخذتها الجهات المختصَّة، وعلى رأسها اللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة، بما أسهم في وضع المُجتمع أمام محطَّات اختبار حقيقيَّة، نقلتِ القانون من نصوصه النظريَّة إلى واقع عملي معيش، وجعلتْ من الالتزام به ضرورة وجوديَّة ترتبط بحماية الأرواح والممتلكات.
ذلك أنَّ المشهد الإيجابي الَّذي جسَّد مفهوم الجاهزيَّة وروح العمل الوطني المشترك، تحت مظلة اللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة من خلال الانتشار الميداني، وتنفيذ عمليَّات الإنقاذ، وتقديم الدَّعم اللوجستي، ونشر التوعيَّة عَبْرَ مختلف الوسائط الإعلاميَّة، بما يعكس جاهزيَّة مؤسَّسيَّة عالية وقدرة على إدارة الأزمات بكفاءة واقتدار، لم يخلُ من بعض الممارسات الفرديَّة غير المسؤولة، الَّتي تمثلت في دخول الأودية ومجاري السيول، أو المجازفة بعبورها رغم التحذيرات المتكررة الَّتي أصدرتها الجهات المختصَّة، في ظل خطورة ارتفاع منسوب المياه، وضرورة الابتعاد عن أماكن تجمُّعها، وعدم المخاطرة بالحياة تحت أيِّ ظرف، لِتعَبِّرَ هذه الممارسات غير المسؤولة عن حالة الاستخفاف والإهمال، وتغييب الوعي في استيعاب خطورة المرحلة، الأمر الَّذي يعرّض حياة الفرد والآخرين، وفرق الإنقاذ، لمخاطر جسيمة.
ومن هنا جاء تدخُّل شُرطة عُمان السُّلطانيَّة بحزم في توقيف مَن جازف بعبور أحد الأودية، وانجراف مَركباتهم، ممَّا عرَّض حياتهم والقائمين على إنقاذهم للخطر، وتمَّ تحويلهم إلى الجهات القضائيَّة لاستكمال الإجراءات القانونيَّة بحقِّهم، خطوة نوعيَّة تعكس جديَّة التعامل مع هذه التجاوزات، وتؤكِّد أنَّ القانون لا يقف عند حدود التَّوجيه والإرشاد، بل يمتدُّ لِيشملَ الرَّدع والمساءلة؛ لِيجدَ المُواطِن والمُقِيم نفْسه أمام جملة من التعليمات والإرشادات والتحذيرات الَّتي تتطلب استجابة فوريَّة، وانضباطًا ذاتيًّا، وشعورًا عاليًا بالمسؤوليَّة. فإنَّ ما تعنيه هذه الخطوة يتجاوز البُعد العقابي، لِيؤسِّسَ لمرحلة جديدة من الوعي القانوني، تَقُوم على فَهمٍ عميق لِدَوْر القانون في حماية المُجتمع، وإدراك أنَّ الالتزام به ليس اختيارًا شخصيًّا، بل واجب وطني وأخلاقي. الأمر الَّذي سينعكس إيجابًا على تعزيز ثقافة احترام القانون، وترسيخ قناعة لدى الأفراد بأنَّ أيَّ تجاوز قد يترتب عليه تبعات قانونيَّة جسيمة.
ومع تصاعد الحالة الجويَّة وما صاحبها من أمطار غزيرة وجريان للأودية وارتفاع منسوب المياه، برزتْ أهميَّة الوعي المُجتمعي في التعامل مع هذه الظروف؛ باعتباره خطَّ الدِّفاع الأوَّل في مواجهة المخاطر. فهو مسؤوليَّة فرديَّة ومُجتمعيَّة في آنٍ واحد، تبدأ من إدراك المواطن لِدَوْره في حماية نفْسه وأُسرته ومُجتمعه، وتمتدُّ إلى سلوكه في التعامل مع الأنواء المناخيَّة والحالات الطارئة، بما يجعل منه حارسًا لوطنه وشريكًا في حماية مستقبله. ذلك أنَّ الوعي مرحلة متَّزنة بَيْنَ المسؤوليَّة واحترامها؛ فالمسؤوليَّة في القيام بأدواره كمُواطِن أو مُقِيم تعني أداء الواجبات والوفاء بالالتزامات في إطار الواجب الدِّيني والأخلاقي والإنساني والوطني الَّذي ينظِّمه القانون وتكفله سياسة الدَّولة، ومنها التزامه بالتعليمات الصَّادرة من جهات الاختصاص بعدم المجازفة، أمَّا احترام المسؤوليَّة فيفرض تَبنِّي أدوات رصينة وثقافة سليمة في التعامل مع الظروف الصعبة والأزمات الحاصلة، وتقدير الإجراءات الَّتي تتَّخذها الجهات المختصَّة والمواقف الصَّعبة الَّتي يعيشها منتسبو الجهات الأمنيَّة والعسكريَّة في التعامل مع هذه الظروف، وتفهُّم متطلباتها، وتقبُّل الواقع الناتج عنها بروح إيجابيَّة واعية.
إنَّ ما تُمثِّله الأنواء المناخيَّة من حضور في حياة العُمانيين في ظلِّ تعرُّض سلطنة عُمان للأعاصير والأنواء المناخيَّة الماطرة في فترات متعاقبة يضعنا أمام محطَّة اختبار حقيقيَّة تعكس نضج الوعي المُجتمعي، وقدرته على التكيُّف مع الأزمات، واستيعاب دَوْر القانون في تنظيم الحياة. كما أنَّها أفرزت فرصًا مهمَّة لإعادة بناء منظومة القِيَم الوطنيَّة، وتعزيز مفاهيم المسؤوليَّة، والانضباط، والتكافل، وبالتَّالي الحاجة إلى استثمار هذه الظروف في تعزيز الثقافة القانونيَّة والوعي الجمعي وبناء التشريعات والقوانين المنظِّمة والمؤطِّرة لسلوك المُواطِن والمُقِيم في زمن الأزمات، من خلال إدماج مفاهيم إدارة الأزمات وأخلاق الأزمات والحالات الطارئة والسلامة العامَّة ومخاطر الإشاعة في المناهج التعليميَّة، وتكثيف برامج التوعية، وتشجيع البحث العلمي في مجال إدارة الأزمات، بما يُسهم في بناء مُجتمع أكثر وعيًا واستعدادًا لمواجهة التحدِّيات.
إنَّ تطوير التشريعات المرتبطة بإدارة الحالات الطارئة، وتحديث آليَّات تنفيذها يُمثِّل خطوةً مهمَّة نَحْوَ تحقيق التوازن بَيْنَ القانون والتوعية المُجتمعيَّة، بما يَضْمن استدامة الالتزام، ويُعزِّز من فعاليَّة الإجراءات المتَّخذة. ومن هنا، تبرز الحاجة المُلحَّة إلى تشريعات تُنتج من رحم الأزمات والأنواء المناخيَّة، تستلهم دروسها، وتستوعب معطياتها، وتحوّلها إلى قواعد عمل مؤسَّسيَّة. ويصبح التشريع، في هذا الإطار، معادلة القوَّة في صناعة التحوُّل الشامل في الوعي الجمعي، وتعظيم الفرص الناتجة من الأزمات وتحويلها إلى مكاسب مُجتمعيَّة؛ فالقانون، حين يُبنى على أساس قِيَمي وإنساني، والتزام أصيل، يتحوَّل من أداة ضبط إلى أداة تمكين، ومن نَصٍّ جامد إلى ممارسة حيَّة، ومن التزام مفروض إلى قناعة ذاتيَّة. فهو عَيْنُ الواقع الاجتماعي في احتوائه وانسجامه وارتباطه بقدسيَّة الأرض الطيِّبة، وتمكين الإنسان من رفع سقف جودة الممارسة والالتزام بالمبادئ وحسِّ المسؤوليَّة والوقوف عند التعليمات، ما يؤكِّد اليوم على أهميَّة أن يضعَ التشريع في اعتباره هذا المدخل في تعظيم إنتاجيَّته، بحيثُ لا يكُونُ استجابةً متأخرة أو معالجة سطحيَّة، بل مقاربة استباقيَّة شاملة، تنطلق من فهمٍ عميق للواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والنفْسي للحالات الطارئة وتأثيراتها على حياة الأفراد والمُجتمع، وتضع الإنسان في قلب القرار التشريعي. وهو ما يتطلب حوكمة فعَّالة للأُطر والأدوات، تَقُوم على التكامل بَيْنَ الجهات، والشراكة مع المُجتمع، والاستفادة من الخبرات الوطنيَّة، وتوظيف التقنيَّة الحديثة، وتعزيز الشفافيَّة الإعلاميَّة والمساءلة.
إنَّ الأنواء المناخيَّة والحالات الطارئة كغيرها من الأزمات تُمثِّل اختبارًا لِمَا يحمله الإنسان من قِيَم الوعي، انطلاقًا من أنَّ القوانين والتشريعات والضوابط إنَّما تنتج من رحم الأزمات وتتجلى من خلال المواقف والظروف؛ لذلك فإنَّ ما صاحَب هذه الأنواء المناخيَّة من تعدديَّة الإجراءات وتنوُّعها وعمقها، وغلظتها وشدَّتها، والروح العالية الَّتي تبثُّها في فِقه الإنسان وقناعاته محطَّة تقييم ومراجعة، يقف فيها الفرد والمُجتمع على إخفاقاته وانتصاراته، وضعفه وقوَّته، لِيصنعَ منها مرحلة تحوُّل في معادلة الالتزام بالقانون والنظام والحفاظ على درجة الارتباط ممتدَّة مع ما يصدر من المؤسَّسات المختصَّة من توجيهات وأوامر ونواهٍ وتنبيهات وتحذيرات، ولِيجدَ في حزمة الإجراءات القانونيَّة المتَّخذة مساحة أمان لالتقاط الأنفاس واستراحة النفْس للتأمل في متطلبات هذه الظروف والصورة الَّتي يَجِبُ أن يقدِّمَها المُواطِن والمُقِيم على حدٍّ سواء في الحدِّ من الاستهتار وعدم المبالاة وإلقاء الأنفس في التهلكة وإلحاق الضرر بالنفْس والآخر، وما يعنيه ذلك من تقويض كُلِّ الجهود الوطنيَّة وما يَقُوم به أبناء هذا الوطن الغالي، منتسبو هيئة الدِّفاع المَدني والإسعاف وشُرطة عُمان السلطانيَّة وقوَّات السُّلطان المُسلَّحة وكُلُّ العاملين في قِطاعات الإغاثة والاستجابة والإنقاذ، فإنَّ عليه أن يسترجعَ خلالها ممكنات القوَّة في جَلدِ الذَّات وتأنيب الضمير بما يحتاجه التعامل مع هذه الأنواء من فرص تختبر مدى صلابته وثباته والتزامه، واستيعابه لنهج الضبطيَّة والوعي الَّذي اتَّجهتْ له رؤية العمل في التعامل معها عَبْرَ اللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة، بما يصنع منه ميدانًا للاختبار والمنافسة يبرز مفهومًا أعمق لقِيمة الوعي والالتزام والتقيُّد بالإجراءات والقرارات والعمل بها، والتنفيذ الفَوري للقرار الوطني وإحاطته بالرعاية والاهتمام والمتابعة ووضعه محلَّ التقدير والاحترام.
أخيرًا، تبقى الأنواء المناخيَّة بما حمَلَته من تحدِّيات ودروس متعلَّمة نافذة أمل جديدة في قراءة العمق الإنساني، واستحضارها في المنجز التشريعي والقانوني، وعَبْرَ إعادة قراءة القانون وإنتاجه في ظل معطيات الأنواء المناخيَّة وإدارة الأزمات ومستوى استيعاب المُواطِن والمُقِيم لحيثيَّاتها وإدراكه لأبجديَّات القانون وقواعده الضبطيَّة ونصوصه الإلزاميَّة، بما يفتح المجال أمام مرحلة متقدِّمة من العمل التشريعي الناضج، الَّذي ينطلق من الشعور الجمعي بمكانة الإنسان، واحترام إنسانيَّته، وتعظيم موارده، واحتواء مشاعره، موجِّهات وأُطرًا تضع المؤسَّسات التشريعيَّة والسُّلطة التنفيذيَّة المنفِّذة للقوانين والمخاطَبِين بالقانون من مُواطِنين ومُقِيمين، أمام استحضار هذه الحقائق في سبيل حماية الأرواح والممتلكات وسعادة الإنسان وسلامه الداخلي وأمنه وصحَّته وسلامته.
د.رجب بن علي العويسي