في هذه الأيَّام قد نلاحظ بأنَّ المرضى الَّذين نراهم ليسوا كالَّذين كنَّا نلاحظهم قَبل عَقْد من الزمن. ألَمْ ننتبه أنَّ المرضى أضحوا يصلون إلى الرعاية الصحيَّة في مراحل متأخرة مُصابِين بأمراض تفاقمت أكثر من المتوقع، وبمستوى من الخوف قد يتجاوز خطورة حالتهم؟ وهكذا أصبح هذا التحوُّل دقيقًا في بدايته، لكنَّه عميق في آثاره! فهل نحتاج أن نفهمَ تجربة المريض وحالته؟!
بطبيعة الحال، بدأت أنظمة الرعاية الصحيَّة حَوْلَ العالم أيضًا بالإبلاغ عن تغيُّر ملحوظ في أنماط مراجعة المرضى، بل وتأخَّرتِ المتابعات الروتينيَّة لذلك المريض، لِينتهيَ ذلك أحيانًا بتجنُّب العديد من الأفراد المستشفيات. ومن هنا خرجتْ دراسات مختلفة تُفيد بزيادة في تشخيصات المراحل المتأخرة، لا سِيَّما في مجال الأورام، حيثُ أدَّى التأخير في الكشف إلى ظهور المرض أكثر شراسةً عند المراجعة. وبالمِثل، أظهرتْ أبحاث القلب والأوعية الدمويَّة أنَّ المرضى الَّذين يعانون من متلازمات الشريان التَّاجي الحادَّة يراجعون في وقت متأخر، وغالبًا ما يعانون من مضاعفات كان من الممكن الوقاية منها بتدخُّل مبكر.
في الوقت نفْسه، أدَّى التوسُّع السريع للمعلومات الرقميَّة إلى مفارقة ندركها جميعنا. ألا وهي أنَّ المرضى اليوم أكثر اطلاعًا من أيِّ وقت مضى، لكنَّ هذه المعلومات عادةً ما تكُونُ مجزَّأةً، وأحيانًا مضلِّلة. فيصل الكثيرون إلى العيادة وقد كوَّنوا بالفعل استنتاجات حَوْلَ حالتهم، مستندين إلى مصادر غير مكتملة أو غير دقيقة! وقد أظهرتْ دراسة نُشرتْ في إحدى المجلَّات الطبيَّة بأنَّ زيادة التعرض للمعلومات الصحيَّة عَبْرَ الإنترنت يرتبط بارتفاع مستويات القلق الصحِّي، لا سِيَّما عندما يفتقر المرضى إلى علاقة مستقرَّة وقائمة على الثقة مع الطبيب. في هذا السياق، يَجِبُ أن نعيَ أنَّه لا تترجم المعرفة دائمًا إلى طمأنينة، بل قد تفاقم خوف ذلك المريض.
طبعًا لا يزال نموذج الرعاية التقليدي، الَّذي يركِّز بالدَّرجة الأولى على التشخيص والعلاج أساسيًّا، ولكنَّه لم يَعُدْ كافيًا بمفرده. لذلك نحن الآن مطالبون بمعالجة ليس فقط الجوانب البيولوجيَّة للمرض، بل أيضًا السياق العاطفي والنفْسي الَّذي يحدُث فيه. وبالتَّالي سيتطلب هذا جهدًا واعيًا للتواصُل بوضوح، والاستماع بانتباه لذلك المريض، وخلق بيئة يشعر فيها المرضى بالأمان لطلب الرعاية في وقت مبكر.
ومن هنا تكمن الفرصة في خضم هذا التحدِّي. فالوعي المتزايد الَّذي يغذِّي قلق المريض، إذا وجِّه حقيقةً توجيهًا سليمًا يُمكِن أن يصبحَ حافزًا للتفاعل. فالمرضى الَّذين يشعرون بأنَّهم على دراية تامَّة ويتلقَّون الدَّعم، هم أكثر ميلًا للمشاركة الفعَّالة في رعايتهم، بل والالتزام بخطط العلاج، وطلب المساعدة في وقت مبكر. وبهذا المعنى أستطيع القول هنا بأنَّه يُمكِن تحويل الخوف عند معالجته بفعاليَّة إلى يقظة بدلًا من تجنُّبه!
وعليه، من الواجب أن ندركَ بأنَّ التغيُّرات الاجتماعيَّة والأحداث العالميَّة والتحوُّلات التكنولوجيَّة تؤثِّر جميعها على كيفيَّة تجربة المرض والتعبير عنه. فوصول المريض للمؤسَّسة الصحيَّة وهو أكثر مرضًا وخوفًا ليس مجرَّد ملاحظة، بل هو بالواقع انعكاس لعلاقة متغيِّرة بَيْنَ الأفراد ونظام الرعاية الصحيَّة.
ختامًا، تبقى مسؤوليَّة المؤسَّسات الصحيَّة اليوم وغدًا هي إعادة تشكيل تجربة المرض نفْسها، محوِّلين إيَّاها من تجربة تتَّسم بالخوف إلى تجربة يوجِّهها الفَهْم والطمأنينة!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي