الاثنين 30 مارس 2026 م - 11 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أوروبا تنشئ جيشها وتغير عقيدتها العسكرية

أوروبا تنشئ جيشها وتغير عقيدتها العسكرية
الاثنين - 30 مارس 2026 05:12 ص

محمد عبد الصادق

10


غيَّرتِ الأزمات الأخيرة الَّتي يمرُّ بها العالم التفكير الاستراتيجي لدى القادة الأوروبيين، وأيقنوا أنَّه لا يُمكِن الاعتماد على أميركا في حماية قارَّتهم، تصاعد هذا الاعتقاد بشكلٍ كبير عقب استيلاء روسيا على جزيرة القرم في العام 2014، واندلاع الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة، وتعالتِ الأصوات داخل أوروبا تُطالب بإحياء حلم إنشاء جيش أوروبي موحَّد، قادر على حماية أوروبا من التهديدات الخارجيَّة، خصوصًا القادمة من الشرق. ولكنَّ هذه الرَّغبة ما زالت تواجِه مجموعة من التحدِّيات، رغم المحاولات المتعدِّدة لإحيائها.

بعد الحرب العالميَّة الثانية، تراجع النفوذ الأوروبي لحساب الهيمنة الأميركيَّة، وشكَّل الجانب الأمني الحلقة الأضعف في مشروع التكامل الأوروبي، رغم المحاولات الفرنسيَّة المبكرة لصياغة سياسة أمنيَّة موحَّدة داخل الاتِّحاد الأوروبي، والَّتي أسفرتْ عن توقيع معاهدة بروكسل في العام 1948 الَّتي جمعت فرنسا وإنجلترا وهولندا ولوكسمبورج، والَّتي نصَّتْ على أنَّ أيَّ اعتداء مسلَّح تتعرض له إحدى الدول المُوَقِّعة يُعَدُّ اعتداءً على جميع الأطراف، ويلزم باقي الدول بتقديم المساعدة العسكريَّة، ولكن هذه المعاهدة لم تحظَ باهتمام الأوروبيين آنذاك، لانكفائهم على إعادة بناء دولهم المدمَّرة، وتعويلهم على الحليف الأميركي القوي في القيام بالمهام الأمنيَّة. لكنَّ الولايات المُتَّحدة تلقَّفتْ هذه الاتفاقيَّة، وعدَّتها مؤشِّرًا على جديَّة الأوروبيين في بناء سياسة دفاعيَّة مشتركة، فكان إنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إبريل 1949، بمشاركة (12) دولة أوروبيَّة.

في العام 1950، زاد التوتُّر بَيْنَ الشرق والغرب بعد اندلاع الحرب الكوريَّة، وضغطتْ أميركا على الأوروبيين لتقبل فكرة إعادة تسليح ألمانيا ضِمن قوَّة عسكريَّة موحَّدة تدافع عن أوروبا الغربيَّة في مواجهة حلف وارسو والاتحاد السوفيتي، غير أنَّ هذا الطرح قوبل برفض أوروبي واسع، خصوصًا من فرنسا، الَّتي تخوَّفت من إعادة عسكرة ألمانيا، مذكّرةً بسجلِّها الدموي في أوروبا.

بعد سقوط الاتِّحاد السوفيتي في ديسمبر 1991، عادتْ فكرة تكوين جيش أوروبي موحَّد، وأفسحتْ اتفاقيَّة ماسترخت لعام 1992، المجال لبناء سياسة أمنيَّة أوروبيَّة مشتركة، كان الغرض منها مواجهة التحدِّيات الأمنيَّة الَّتي نتجتْ عن تفكُّك دول حلف وارسو، كما برزَ دَوْرها أثناء حرب كوسوفو في العام 1999، والَّتي تركتْ آثارًا سلبيَّة على أوروبا، الَّتي لم يكُن لها سوى دَوْر هامشي، رغم أنَّها اندلعتْ على أرض أوروبيَّة، وفي المقابل تصرَّفتِ الولايات المُتَّحدة على هواها، وبقرارات منفردة مستندةً لسيطرتها على الـ(الناتو).

بعد تململ الولايات المُتَّحدة من تحمُّلها العبء الأكبر من ميزانيَّة (الناتو)، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى تأسيس جيش أوروبي موَحَّد مستقلٍّ عن حلف شمال الأطلسي، وقال: «لن تحترمنا أميركا إلَّا إذا كانت شؤوننا الدفاعيَّة ذات سيادة، لهذا على أوروبا بناء جيشها المستقل، وتكُونُ وظيفة هذا الجيش تعزيز أمن أوروبا في مواجهة التهديدات المختلفة من جانب روسيا أو الصين أو حتَّى الولايات المُتَّحدة ذاتها، وقدَّم ماكرون خطَّة لتشكيل وحدة عسكريَّة أوروبيَّة قوامها (5000) عسكري، مدعومة بسُفن وطائرات حربيَّة، ودبَّابات ومدرَّعات، وأسلحة ثقيلة، يطلق عليها اسم «قوَّة التدخل الأول»، ونالت الخطَّة موافقة (13) دولة أوروبيَّة، في مقدِّمتها ألمانيا، وخصَّص الاتِّحاد الأوروبي بندًا خاصًّا في ميزانيَّته، لتمويلِ هذا الجيش؛ بهدف تحويل الاتِّحاد الأوروبي من قوَّة اقتصاديَّة إلى قوَّة عسكريَّة قادرة على تنفيذ المهمَّات العسكريَّة تحت مظلَّة أوروبيَّة مستقلَّة عن الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة.

محمد عبد الصادق

[email protected]

كاتب صحفي مصري