عندما بدأت العمل الصحفي كانت الأمور بسيطة؛ أساتذة تتعلم منهم، تستمع لرؤيتهم، وتسير على نفْس الدرب، حتَّى تستطيع مع تراكم الخبرات تكوين رؤيتك. وهنا لا أتحدَّث عن العمل الصحفي وحده؛ لأنَّ هذه كانت طبيعة العمل في أغلب المجالات، أجيال تسلِّم أجيالًا، وتتوارث المِهن في مسار شِبه ثابت، حيثُ كان الزمن عنصرًا حاسمًا في بناء القِيمة، وكانت الخبرة تقاس بسنواتها قَبل نتائجها. أمَّا الآن ـ ومع الثورة العلميَّة الكبرى وصعود الذكاء الاصطناعي ـ فقَدْ تغيَّرتِ القواعد بشكلٍ جذري، وأصبح من الواضح أنَّ هناك معلِّمًا آليًّا قادرًا على اختصار مسافات طويلة من التعلم، وتقديم المعرفة في لحظات، وهو ما أعاد تعريف معنى الخبرة نفْسها، فلم يَعُدِ الطريق الطويل شرطًا للوصول، ولم يَعُدِ التدرج التقليدي هو المسار الوحيد لصناعة الكفاءة، ولم يَعُدْ تراكُم الخبرات عنوان التميُّز. صحيح أنَّ هذا التحوُّل لم يلغِ قِيمة الجهد، لكنَّه أعاد ترتيب أولويَّاته، حيثُ لم يَعُدِ الاجتهاد وحده كافيًا لِيمنحَ صاحبه ميزة تنافسيَّة؛ لأنَّ الجهد أصبح متاحًا للجميع، والأدوات أصبحت في متناول أيِّ شخص، والحصول على المعلومة المهنيَّة لم يَعُدْ تميُّزًا؛ فقَدْ أُتيحت للجميع. وهنا طبع العصر بصمته، وباتتِ الفجوة الحقيقيَّة بَيْنَ المُجيد والبليد تتجلى، حيثُ فيمن يقدِّم قِيمة مختلفة، ومَن يمتلك القدرة على التفكير خارج النَّمط، وتحويل المعرفة إلى أثَرٍ حقيقي، وممَّا تسعى الدول إلى تحقيق قِيمة مضافة لثرواتها فرض الجديد علينا، تساؤلًا: بدل كم تعمل؟ أضحى ماذا تضيف؟ لأنَّ السوق لم يَعُدْ يُكافئ التكرار، ولا يمنح الأفضليَّة لِمَن يسير في المسارات المألوفة، الَّتي يُمكِن للجميع الوصول إليها عَبْرَ الـAI، وبات التفرُّد يذهب لِمَن يخلق مساره الخاص، ويُعِيد تعريف دَوْره باستمرار، فمَن لا يضيف قِيمة حقيقيَّة، يظلُّ دائمًا في دائرة يُمكِن استبدالها بسهولة.
إنَّنا في زمن متغيِّر، وعلينا التكيُّف معه؛ فالتطوُّر المهني باتَ مرتبطًا بقدرة الفرد على إعادة تعريف نفْسه بشكلٍ مستمر، حيثُ لم تَعُدِ المسارات المهنيَّة تَسير في خطوط مستقِيمة كما كانت في السابق، وأصبحت أقرب إلى مساحات مفتوحة تتغير ملامحها بسرعة، وهو ما يجعل الثبات في حدِّ ذاته مخاطرة؛ لأنَّ ما كان يُمثِّل ميزةً بالأمس قد يتحول اليوم إلى عبء. وهنا تظهر إشكاليَّة أكثر عمقًا، تتعلق بطبيعة الاستعداد النفْسي للتغيير، حيثُ يظلُّ كثيرون متمسِّكين بنماذج نجاح قديمة أضحت غير صالحة في واقع جديد، فيتأخرون عن إدراك أنَّ السوق لا يعترف إلَّا بالقِيمة القابلة للتجدُّد، وأنَّ القدرة على التعلُّم السريع، وإعادة توظيف المعرفة، وصناعة حلول غير تقليديَّة، أصبحت هي المعايير الحقيقيَّة للبقاء والتقدم، وهو ما يفرض واقعًا جديدًا لا يترك مساحة للحياد، فإمَّا أن تكُونَ عنصرًا فاعلًا قادرًا على الإضافة، أو تظلَّ في دائرة الانتظار. وأعُود لمهنة الصحافة كنموذج، فالصحافة الورقيَّة اندثرت، واستبدلت بصانعي محتوى لا يدركون ما يقدِّمونه، لكنَّهم يقدِّمون المختلف. صحيح أنَّ هذا الوضع لن يدوم، لكن على مَن يسعى للتميُّز والحفاظ على موقعه، عليه أن يُدركَ أنَّ التميُّز لم يَعُدْ مرتبطًا بجزالة اللُّغة، لكن بالقدرة على التبسيط والتواصل المتفاعل، كذلك انتهت مرحلة صناعة الخبر، وتحوَّلت إلى السباحة مع أفكار تُواكب العصر ومَن يعاصرونه. وهنا أتحدَّث عمومًا عن الإنسان النمطي، الَّذي يظنُّ أنَّ الاستمرار في تقديم نفْس الأداء، واعتماد نفْس طُرق التفكير، وتكرار نفْس الحلول، كفيل بالحفاظ على موقعه، بَيْنَما الواقع يتحرك في اتِّجاه مختلف تمامًا. فالتكرار والأدوار التقليديَّة لم تصبحْ محصَّنة كما كانت في السابق؛ لأنَّ أيَّ دَوْر يُمكِن توصيفه بسهولة، يُمكِن استبداله بسهولة، وهو ما انعكس بشكلٍ مباشر على سوق العمل، فالمالك أو المستثمر أو صاحب العمل باتَ لا يبحث عمَّن يؤدِّي المهام، لكن عمَّن يضيف إليها. وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي كعامل كاشف لهذا التحوُّل، فهو لم يأتِ لِيشكِّلَ تهديدًا في حدِّ ذاته، وإنَّما لِيكشفَ الفارق بَيْنَ مَن يمتلك بصمة خاصَّة، ومَن يكتفي بإعادة إنتاج ما هو متاح. باختصار، فالخطر الحقيقي يكمن في غياب البصمة الشخصيَّة، وفي العجز عن تقديم قِيمة مختلفة، لا في تطوُّر الأدوات، وهو ما يجعل التَّشابه عبئًا لا ميزة، ويجعل الاختلاف ضرورة للبقاء؛ لأنَّ مَن يُشبه غيره في عالم سريع التغيُّر، يصبح أوَّل مَن يُمكِن الاستغناء عنه.
إنَّ ما أقوله لا يزيد عن نصيحة أوجِّهها لشباب الحاضر وبناة المستقبل؛ فمن واقع تجربة شخصيَّة تشكَّلتْ عَبْرَ مسار طويل من المحاولة والخطأ وإعادة التفكير، حيثُ اكتشفتُ أنَّ أخطر ما يُمكِن أن يقع فيه الإنسان هو أن يطمئنَّ لِمَا وصل إليه، وأن يظنَّ أنَّ ما يملكه من أدوات اليوم كفيل بحمايته غدًا؛ لأنَّ الواقع يتغيَّر بوتيرة تفرض عليك أن تراجعَ نفْسك باستمرار، وأن تُعِيدَ تعريف دَوْرك قَبل أن يفرضَ عليك هذا التعريف من الخارج. وقد مررتُ بلحظات كنتُ أظنُّ فيها أنَّني أسير في المسار الصحيح لمجرَّد أنَّني أبذل جهدًا أكبر، ثم اكتشفتُ أنَّ الجهد في اتِّجاه خاطئ لا يصنع فارقًا، وأنَّ القِيمة الحقيقيَّة لم تكُنْ في مقدار ما أعمل، وإنَّما في طبيعة ما أقدِّمه، وفي قدرتي على تقديم إضافة مختلفة، وهو ما جعلني أعِيد النظر في كثير من المسلَّمات الَّتي كنتُ أتعامل معها باعتبارها ثوابت، بداية من طريقة التفكير، وصولًا إلى أُسلوب العمل نفْسه؛ لأنَّني أدركتُ أنَّ التميُّز أصبح ضرورة يفرضها الواقع، وأنَّ البقاء للأكثر قدرة على التعلُّم، والتكيُّف، وصناعة معنى جديد لِمَا يفعله، وإلا سيسبقك الآخرون وستظلُّ حبيس الماضي. فالمعرفة الحديثة تعطي مَن هم أصغر منك سنًّا خبرةً تراكميَّة، تفوق ما حصلت عليه عندما استسهلت الأمور واحتفاظي بنمط عفا عليه الزمن.
وحتَّى أكُونَ قد أكملتُ نصيحتي، عليَّ توجيه النظر لِمَن يبحث عن فرصة في هذا العصر المتسارع، فحتَّى الفرص اختلفتْ عمَّا سبَق. ففرص عصرنا الحالي لا تضيع كما يعتقد البعض أو كما في السابق، لكن تُعاد صياغتها وتوزيعها باستمرار، فكُلُّ فرصة يتمُّ التردُّد في اقتناصها تتحول في اللحظة نفْسها إلى مكسب لشخص آخر أكثر جاهزيَّة، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على اتِّخاذ القرار، وهو ما يعكس منطقًا واضحًا يحكم حركة السوق، لا يترك مساحة للانتظار، ولا يمنح أفضليَّة لِمَن يتردد؛ لأنَّ الزمن في حدِّ ذاته أصبح عنصرًا تنافسيًّا، يضيف لِمَن يتحرك، ويسحب ممَّن يراقب. فالتردُّد لن يكُونَ موقفًا محايدًا، لكنَّه قرار يحمل تكلفة حقيقيَّة تتراكم مع الوقت، لِتصنعَ فجوةً يصعب تعويضها، وتفرض معادلة واضحة تَقُوم على أنَّ التفرد الَّذي أكَّدنا أهميَّته لا يصنع الفارق وحده، وحتَّى القرار في حد ذاته لا يكفي، والمعادلة العصريَّة تقول إنَّ القِيمة الحقيقيَّة تتشكل من الجمع بَيْنَ القدرة على الإضافة، وسرعة الحركة، والجرأة في اتِّخاذ القرار؛ لأنَّ مَن لا يتحرك في الوقت المناسب، يجد نفْسه خارج المشهد، يراقب الفرص وهي تُعاد صياغتها بعيدًا عنه، وتذهب إلى مَن امتلك شجاعة الفعل المُتجدِّد في اللحظة الَّتي تردَّد فيها الآخرون، واتَّجهوا نَحْوَ نمطيَّة لا تُناسب عصرهم.
إبراهيم بدوي