تُشكِّل القدرة على وضع سيناريوهات لمعالجة التوقُّعات لحدوث مشاكل أو مخاطر مستقبليَّة حجر الزاوية للاستراتيجيَّة الأساسيَّة لعملِ أيِّ مؤسَّسة. فكثير من المخاطر الَّتي حدَثتْ لنَا خلال السنوات الماضة لم نكُنْ في بعضها نتخيل حتَّى مجرَّد الحدوث، ومثال ذلك كارثة «كوفيد 19» الَّتي (ما كانت لا على البال ولا على الخاطر) كما يقال. فمَن منَّا كان يتخيل أنَّنا سوف ننعزل اجتماعيًّا، وأنَّ الحظر سيطبَّق علينا وأنَّنا لن نستطيعَ أن نخرجَ من بيوتنا، وسنضطر للابتعاد عن أُناس هم أقرب الناس لنَا لمجرَّد أنَّنا نشك بأنَّهم مصابون، وغيرها من الجوانب الَّتي لم تكُنْ في الحسبان، وبالتالي تمَّ التعامل مع هذه الأمور في وقتها بالإمكانات المتاحة ومرَّتِ الأزمة على خير بِغَضِّ النظر عن الخسائر الماديَّة والبشريَّة، ولكن هل الأمر وقف عند مجرَّد المعالجة الوقتيَّة والمرور؟ أم استفدنا من هذا الأمر في وضع سيناريوهات ومعالجات جاهزة لمثل هذه الحوادث والطوارئ؟
في مجال التعليم تمَّ بذل جهد كبير في عمليَّة الانتقال بالتعليم من النمط المباشر إلى التعليم الافتراضي عن بُعد وحقَّقتِ سلطنة عُمان نجاحات باهرة في هذا المجال رغم عدم نضوج التجربة، سواء لدى الوسط التربوي أو المُجتمع المحلِّي، ولكن كان لزامًا أن تتكاتفَ الجهود بحُكم أنَّ الأمر كان مباغتًا ولم يكُنْ أحد يتوقع هذا السيناريو، وبالتالي تمَّ التعامل مع الموضوع وفْقَ هذا السياق، لكن وبعد هذه السنوات والَّتي تناهز السِّت أمَا آن الأوان أن نخرجَ من عباءة الظروف الوقتيَّة والحرجة والطارئة إلى نظام متكامل في ما يتعلق بموضوع التعليم عن بُعد؟ أمَا آنَ الأوان أن يكُونَ التعليم عن بُعد خيارًا استراتيجيًّا جنبًا إلى جنب مع التعليم المباشر، خصوصًا مع وجود إشكاليات وظروف مستمرَّة ومتعاقبة ليس أقلّها الأمطار الأخيرة والحرب المشتعلة في الشرق الأوسط، ولا ندري عن القادم أيضًا؟ أعتقد أنَّ التعاطي مع التعليم عن بُعد كأُسلوب احتياطي والاهتمام به وقت الأزمة فقط هو أُسلوب خاطئ، ولن يؤديَ إلى نتائج إيجابيَّة للوقوف أمام الأزمات اللاحقة بكُلِّ صلابة. فالأمر يتطلب أن نبدأَ من الآن بأن يكُونَ التعليم عن بُعد جزءًا لا يتجزأ من منظومة التعليم في السَّلطنة، والأمر ليس مرتبطًا بأزمات أو ظروف بقدر ما هو مرتبط بتطوير المنظومة بشكلٍ عام؛ فنحن الآن في عصر الذَّكاء الاصطناعي، وبالتَّالي أي تطوير لمهارات الطالب يستدعي تطوير مهاراته في التعامل مع الجوانب التقنيَّة والَّتي يوفِّرها التعليم عن بُعد. فالأمر ليس مرتبطًا بتحدِّي الأزمات، بل بتحدِّي المستقبل القائم على منظومة الذَّكاء الاصطناعي ومتطلباتها.
من هنا أقترح ـ كوليِّ أمْرٍ، كما أشرتُ سابقًا في مقالات سابقة ـ أن نبدأَ في تطبيق التعليم عن بُعد بيوم واحد فقط في الشهر ثمَّ نتدرج لِيصبحَ يومين وهكذا إلى أن نصلَ في نهاية الأمر أن يكُونَ التعليم عن بُعد جزءًا لا يتجزأ من منظومة التعليم، وأن يصدرَ قانون خاص ينظِّم عمله ويحدِّد الحقوق والواجبات، وأن يُعَدَّ عدم حضور الطالب غيابًا حاله حال الغياب العادي، وتُطبَّق عليه قوانين لائحة شؤون الطلاب، وبالتَّالي لن نواجهَ أزمة في عمليَّة التطبيق، وسيكُونُ الأمر سلِسًا عند حدوث أيِّ عائق أو مُشْكلة مستقبلًا، كما أنَّ هنالك فترات يكثر فيها غياب الطلبة عن المدارس والَّتي ترتكز قَبل نهاية الفصل أو قَبل العيد مثلًا يُمكِن تلافي أضرارها بتحويل التعليم عن بُعد، وبالتَّالي يظهر لنَا أنَّ التعليم عن بُعد ليس خيارًا للأزمات فقط بقدر ما هو خيار لمعالجة مشاكل تعاني منها المنظومة التربويَّة منذ فترة طويلة حَوْلَ ما يتعلق بغيابات الطلبة الكثيرة في الأوقات المعروفة سنويًّا. كما أنَّ التعليم عن بُعد يُتيح للمُعلِّم القدرة على تطبيق استراتيجيَّات للتدريس ليس أقلّها طريقة الصَّف المقلوب وغيرها من الطُّرق الَّتي لا يُمكِن تحقيق أهدافها إلَّا بهذا النمط من التعليم.
د. خصيب بن عبدالله القريني