السبت 28 مارس 2026 م - 9 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

ما هي دوافع الانتحال ومحفزاته؟

ما هي دوافع الانتحال ومحفزاته؟
السبت - 28 مارس 2026 05:41 ص

سعود بن علي الحارثي

10


أذكُر قَبل أكثر من عقديْنِ من الزمن كنَّا نتابع بشغف وحرص مقالات فلان من الناس، وننتظرها بلهفة وشوق كُلَّ أُسبوع؛ لسلاسة لُغتها، وأناقة وبلاغة قلم كاتبها، وغنى محتواها وجرأة موضوعاتها وما تتطرق إليه وتتناوله من ملفات سياسيَّة وفكريَّة واقتصاديَّة غاية في الأهميَّة والتنوع. وكنتُ بمشاركة عددٍ قليل من الأصدقاء نعرض لها بالنقاش ونتبادل الرَّأي حَوْلَها ونتشارك إعجابنا بها... وصُدمنا بَعْدها بسنتيْنِ تقريبًا عندما نشر أحَد الكتَّاب المرموقين تحقيقًا كشفَ عن انتحال جميع تلك المقالات ونقلها من صُحف أخرى، وليس لصاحبها من الأمر شيء إلَّا وضْع اِسْمِه عليها ونشْرُها بِدُونِ أيِّ تعديل أو إضافة وحذف. وتأسَّفنا أن يصلَ الأمر ببعض الناس إلى هذا المستوى المتدنِّي من سُوء الخُلق والتزييف والتزوير، وفساده وأذاه وضرره وخسارته ـ كما نَعْلَم ـ أكبر وأشدّ وتتجاوز الفساديْنِ المالي والإداري اللَّذيْنِ تُبتلى بهما الدول والمُجتمعات... كان ذلك قَبل سنوات طويلة من انطلاق وانتشار وسائل التواصُل وتقنيَّات الاتصال وبرامجها وتطبيقاتها وعصر الذَّكاء الاصطناعي الَّذي كشف الكثير من الانتحالات صورًا وأشكالًا وأنواعًا... وبَعْدَها بأعوام، أسرَّ لي أحَد الأصدقاء السودانيين بخبرٍ آخر، لا يقلُّ صدمةً عن سابقه، أكَّد لي فيه بأنَّ تلك «القامة الإعلاميَّة»، المعروفة، تستعين بخبير سوداني لكِتابة المقال الَّذي يُنشر صباح كُلِّ يوم، مضيفًا بأنَّ هذا الكاتب أعجز من أن يستطيعَ حتَّى كِتابة مداخلة قصيرة بنفْسه في مجموعة «واتساب»، أو في أيِّ حساب من حسابات التواصُل الاجتماعي... وتتواصل التسريبات والتأكيدات في الجلسات الخاصَّة والاتصالات الشخصيَّة، مصحوبة بالكثير من المواقف المشابهة والتصرفات المبرهنة على هذه الحقيقة، وبأمثلة ونماذج ممَّا يصعب أحيانًا تصديقه وفَهْمه وتبريره... ونشطتْ فيما بعد حسابات الكاتب المرموق «سليمان المعمري»، الَّذي شمَّر عن ساعدَيْه، وبادَر بصدقٍ وأمانة، واجتهد رغم انشغالاته للتحقيق وملاحقة انتحالات الكتَّاب والباحثين والأكاديميين والإعلاميين وطلبة الشهادات العُليا، فكشَفَ عن سلسلة منها وعرض لها بالأسماء والأدلَّة، مستخدمًا أحدَث برامج التقنيَّة وأكثرها قدرةً على إفشاء أسرار هؤلاء المدَّعين والمصادِرِين حقًّا ليس لهم، وأعمالًا كتابيَّة وإبداعيَّة لا نصيب لهم منها إلَّا الاسم المزيَّف الَّذي استبدلوه بالحقيقي صاحب الجهد والعمل... بعض هؤلاء يعملون في حقول أكاديميَّة حسَّاسة وفي مواقع تعليميَّة رفيعة، ويفترض بأنَّهم نماذج لطلبة العِلم الَّذين يُشرفون عليهم، وآخرون يتأهلون للتخرج بمؤهلات علميَّة عالية، وتنتظرهم مناصب ووظائف مهمَّة في قِطاعات وطنيَّة تعتمد عليها الأوطان، فما هو المتوقع من أمانة وإخلاص وكفاءة مسؤول حصل على مؤهل اعتمد على بحث ورسالة ودراسة منتحلة؟ إنَّها المأساة في أشدِّ صُوَرها قتامة للمستقبل... وليس هذا بغريب، فما زلتُ أذكُر تلك المقالات المنشورة في عددٍ من المجلَّات والصحف البارزة الَّتي كانت تصدر في نهايات القرن الماضي، وتتحدث عن «شهادات للبيع»، ومافيا عربيَّة متخصِّصة في كتابة وإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في بُلدان غربيَّة، وبيع أسئلة الامتحانات وإجاباتها في دول عربيَّة. فلا غرو أن يتهافتَ آلاف الموظفين للحصول على الشهادات العُليا، وأن نرَى في تلك المرحلة خرِّيج ماجستير من بريطانيا ـ على سبيل المثال ـ لا يُتقن التحدُّث والكِتابة باللُّغة الإنجليزيَّة، أو من جامعات عربيَّة في الإدارة والاقتصاد والقانون، فيفشل فشلًا ذريعًا في القيام بمهام الوظيفة أو المسؤوليَّة الموكلة إليه والمرتبطة بتخصُّصه، في أمثلة لا حصر لها، تناولها عددٌ من الكتَّاب، وناقشتها تحقيقات صحفيَّة، وكانت مجالًا خصبًا للحديث عن هذه الظاهرة في الاجتماعات واللقاءات ذات العلاقة... واليوم، ها نحن نتابع حسابات الكاتب نفْسه، «سليمان المعمري»، الَّذي تطوَّرت جهوده مع تقدُّم برامج الذَّكاء الاصطناعي، لِيكشفَ عن أسماء كثيرة بعضها تنتمي إلى حرف «الدال»، تستعين بهذه البرامج للكتابة بالنيابة عنها، وتتشارك معها الأفكار والرؤى والمحاور ورؤوس الأقلام، لتقدّم لها المقال أو البحث أو القصيدة جاهزة معدَّة في طبق مغرٍ شيِّق. وواصل «المعمري» فضْحَ هذه الأسماء بالصوَر وعناوين المقالات والجريدة الَّتي نشر فيها، ممهورًا بتعليق ساخر «ألف شكر للأخ تشات جي بي تي على....». فكيف يبرِّر هؤلاء لقرَّائهم وأصدقائهم وأفراد أُسرهم ولَمَن يطَّلع على هذا الانتحال والتزييف؟ هل هي الوجاهة وحُب المظاهر تسوِّل للبعض القيام بمثل هذه التصرفات؟ أم أنَّها الطبيعة الإنسانيَّة المكتسبة بالوراثة والسلوك والبيئة والثقافة المحفزة، أو الرغبة واللهفة والتعلق بإنجاز عمل يجدون فيه الرفعة والشرف وعلو المنزلة، تشجِّع وتَقُود إلى الانتحال، مع حقيقة العجز وعدم القدرة على الكتابة وإعداد شيء ذي قِيمة يُحقق تلك الغاية إلَّا بالاستعانة بالغير، في غياب للإدراك والفطنة والوعي بحقيقة أنَّ هذا التصرف قد يصل به إلى الانكشاف والفضيحة؟ ومَن ينشر مقالًا منتحلًا باِسْمِه، أو أعدّ بواسطة «تشات جي بي تي»، يتناول فيه استشراء الفساد الحكومي، المالي والإداري، وينتقد أداء الحكومات وقراراتها وسياساتها... فما الصفة الَّتي تليق به ويَجِبُ أن نطلقَها عليه...؟ يخبرني صاحب مكتبة عاهد نفْسه بأن لا يقبلَ عرض أيِّ منتج ثقافي والترويج له وبيعه للقارئ إلَّا إذا وجده مقبولًا يتميَّز برصانة وجودة في الصياغة وقوَّة اللُّغة، وغنى المحتوى، وكان يتلقى عددًا كبيرًا من الكتُب والإصدارات، فيُعِيد بعضها لأصحابها غير مستوعب كيف لِدُور نشرٍ ترضى طباعة عناوين بهذا المستوى من الضعف والهشاشة درجة أنَّ معظمها يصعب حتَّى قراءته وتصنيفه أو إلحاقه بتخصص ما، أو يُمكِن أن يطلق عليه عملًا كتابيًّا، فضلًا عن خلوِّه من صفة الإبداع والفائدة والمعنى، ويتعرض هذا الأستاذ المثقف للهجوم والخصومة من قِبل أولئك الَّذين يعتذر عن تخصيص مكان لإصداراتهم في مكتبته المتميزة... لقد ابتُليتِ الكِتابة والمشهد الثقافي الإبداعي والحقول العلميَّة حتَّى، بهؤلاء الدخلاء عليها، الَّذين تُغريهم الألقاب وعناوين الكتب، ومقال كاتب وصُورته في صدر صحيفة ما، فيجرون خلْفَ المظاهر والوجاهة وإن كان بمقال ونَصٍّ وقصيدة وبحث ودراسة منتحلة... وسوف نشهد في الفترات القادمة نموًّا وازدهارًا للانتحال، مع تطوُّر برامج وتقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي، فأحَد المسؤولين في شركة حكوميَّة كبيرة يعاني المرارة والإحباط بسبب اعتماد موظفيه كلِّيَّا عليها في إعداد التقارير وأوراق العمل والخِطابات الرسميَّة الَّتي تطلبها مهام عملهم، ورغم تنبيهه المتكرر، إلَّا أنَّها لا تجد آذانًا مصغية. ومع ذلك يبقى الفرق كبيرًا بَيْنَ موظف استعان بهذه البرامج في إعداد تقرير عمل، وبَيْنَ مدَّعي الكِتابة الَّذي ينشر مقالًا باِسْمِه، كتَبَه بالنيابة عنه عقل ينتمي إلى الذَّكاء الاصطناعي...

سعود بن علي الحارثي

[email protected]