السبت 28 مارس 2026 م - 9 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الوعي الاستهلاكي للمواطن فـي زمن الأزمات

في العمق : الوعي الاستهلاكي للمواطن فـي زمن الأزمات
السبت - 28 مارس 2026 05:30 ص

د.رجب بن علي العويسي


في ظلِّ التطوُّرات الجارية في الإقليم، وما يرتبط بها من تداعيات اقتصاديَّة متسارعة، والتصعيد الَّذي باتَ يستهدف عصب الاقتصاد ومنشآت الطَّاقة والنفط والغاز، وما نتج عنه من تعطُّل في سلاسل التوريد والإمداد، برزت تحدِّيات مقلقة وظروف صعبة انعكست بصورة مباشرة على حياة الأفراد والمُجتمعات الخليجيَّة بشكلٍ عام، وإن كان تأثيرها على سلطنة عُمان أقلَّ من دول المنطقة نظرًا لعدم اعتمادها على منفذ مضيق هرمز بشكلٍ كبير، تمثلت في ارتفاع الأسعار، ونقص بعض السلع، وزيادة معدَّلات التضخم. وفي خضم هذه التحوُّلات، تتجدَّد الحاجة إلى ترسيخ وعي جمعي رشيد يُعِيد تشكيل أنماط الاستهلاك، ويؤسِّس لثقافة اقتصاديَّة قائمة على الاعتدال وترشيد الإنفاق، الأمر الَّذي يفرض تحدِّيات غير مسبوقة على الأفراد والأُسر والمُجتمعات. وفي ظلِّ هذا المشهد المتغيِّر، يبرز الوعي الاستهلاكي بوصفه أداة فاعلة لإعادة التوازن، ومنطلقًا لبناء ثقافة اقتصاديَّة رشيدة قادرة على التكيُّف مع الأزمات، وإدارة الموارد الماليَّة بكفاءة في ظلِّ هذه الظروف الصَّعبة.

إنَّ قراءة هذا المشهد وانعكاساته على الشَّأن الاستهلاكي تضعنا أمام الوقوف على بُعدَيْنِ رئيسَيْنِ؛ يتمثل أوَّلهما في الدَّوْر الحكومي، وما يتطلبه من تَبنِّي سياسات وطنيَّة فاعلة تَضْمن استمراريَّة سلاسل التوريد والإمداد، والحدَّ من تأثرها بالتقلُّبات الإقليميَّة، وضمان التكيُّف مع هذه المعطيات من خلال اتِّخاذ إجراءات سريعة لضمانِ تدفُّق السلع الأساسيَّة، مستفيدةً من الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسلطنة عُمان، وانفتاحها على طرق التجارة الدوليَّة، وتعزيز منظومة الموانئ والخدمات اللوجستيَّة، بما يتيح لها فرصًا أوسع للاستيراد المباشر، وتوفير قدر من الاستقرار النسبي في الأسواق.

غير أنَّ هذه الجهود ـ على أهميَّتها ـ لا تُمثِّل حلًّا مستدامًا في مواجهة التحدِّيات الاقتصاديَّة طويلة الأمد، إذ إنَّ استمرار الاعتماد على الخارج في توفير السلع الأساسيَّة يظلُّ عاملًا غير سليم في أوقات الأزمات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصاديَّة نَحْوَ تعزيز الاكتفاء الذَّاتي، خصوصًا في القِطاع الزراعي، وتعزيز الأمن الغذائي من خلال الاستثمار الأمثل للأراضي الزراعيَّة، وتَبنِّي مبادرات إنتاجيَّة مبتكرة تُسهم في تقليل الفجوة الغذائيَّة. ذلك أنَّ تطوير هذا القِطاع لا يُحقق الأمن الغذائي فحسب، بل يفتح آفاقًا اقتصاديَّة واعدة، ويُعزِّز من قدرة الاقتصاد العُماني على الصمود في مواجهة الأزمات.

أمَّا البُعد الثاني فيرتبط بالمواطن العنصر الآخر في المعادلة؛ بوصفه محور العمليَّة الاستهلاكيَّة، إذ تتَّجه الأنظار إلى مستوى وعيه وقدرته على إعادة هندسة سلوكه الاستهلاكي بما يتلاءم مع معطيات التصعيد الحاصل في المنطقة. فمع ارتفاع الأسعار، وغلاء تكاليف المعيشة، يُصبح من الضروري مراجعة أولويَّات الإنفاق، وتَبنِّي أنماط معيشيَّة أكثر توازنًا، تَقُوم على حُسن إدارة الموارد، واستثمار الإمكانات الذاتيَّة للأفراد والأُسر وتعظيم دَوْر الأُسر المنتجة في تغطية السوق المحليَّة بمنتجاتها مع ما تطلبه ذلك من عوامل التحفيز والدَّعم. انطلاقًا من أنَّ تحقيق الأمن الغذائي مسؤوليَّة مشتركة، يضطلع فيها المواطن بِدَوْر فاعل، ليس فقط كمنتج، بل كمستهلِك واعٍ قادر على ضبط سلوكيَّاته وتوجيهها.

ومن هذا المُنطلَق، فإنَّ إعادة النظر في الثقافة الاستهلاكيَّة تُمثِّل أولويَّة وطنيَّة في مواجهة غلاء الأسعار، تتطلب تضافر جهود المؤسَّسات المعنيَّة في نشرِ الوعي، وتعزيز برامج التثقيف الاستهلاكي، وبرامج تدريبيَّة، ومبادرات مُجتمعيَّة تُسهم في تغيير السلوكيَّات، وتَبنِّي سياسات توعويَّة وتنظيميَّة تُسهم في تقنين السلوك الشرائي، وتوفِّر بدائل مناسبة أمام المستهلِك. كما أنَّ وجود توافُق مُجتمعي حَوْلَ أهميَّة ترشيد الاستهلاك، مدعومًا بالتشريعات والضوابط، من شأنه أن يحدَّ من الاستنزاف المالي للأُسر، ويوجِّه الموارد نَحْوَ أولويَّات أكثر إلحاحًا.

وفي المقابل، فإنَّ استمرار ارتفاع الأسعار يفرض تحدِّيات متعدِّدة الأبعاد، تمتدُّ آثارها إلى الجوانب الاجتماعيَّة والنفسيَّة، بما قد يؤثِّر على استقرار الأُسرة وتماسُك المُجتمع. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تدخلات أكثر فاعليَّة لضبطِ الأسواق، وتعزيز الشراكة مع القِطاع الخاص، بما يَضْمن تحقيق توازن بَيْنَ مصالح المنتِجِين واحتياجات المستهلِكِين. كما أنَّ تفعيل منظومة الحماية الاجتماعيَّة، وتبسيط الإجراءات، وتَبنِّي سياسات اقتصاديَّة مَرِنة، تُمثِّل عناصر أساسيَّة في التخفيف من آثار التضخم.

وعلى مستوى الأُسرة، فإنَّ التحدِّي الأكبر يكمن في قدرتها على بناء نموذج اقتصادي متوازن، يستند إلى الوعي والمسؤوليَّة المشتركة بَيْنَ أفرادها. ويبرز هنا دَوْرها في الحدِّ من مظاهر الإسراف والتبذير، خصوصًا في المناسبات الاجتماعيَّة كالأعراس والولائم، والَّتي تشهد في كثير من الأحيان أنماطًا استهلاكيَّة مبالغًا فيها. بالإضافة إلى تعزيز التكافل الاجتماعي، وتنشيط العمل التطوُّعي، ودعم المبادرات المُجتمعيَّة والفِرق الخيريَّة وتعظيم الدَّوْر الاجتماعي للوقف، موجّهات وأُطر يُمكِن أن تُسهم في تخفيف الأعباء عن الأُسر المعسرة، والأُسر ذات الدَّخل المحدود.

وعليه، فإنَّ بناء الثقافة الماليَّة وتعزيز مفهوم الإدارة الرشيدة والحكيمة للمال، وترسيخ الوعي المالي منذ المراحل الأولى في حياة النشء، يبدأ بامتلاك الطالب للمهارات والاستعدادات والقدرات المؤثِّرة في صناعة سلوكه الاقتصادي. وهذا الأمر ينبغي أن يتأصَّلَ في ثقافة التعليم والتعلم وبيئة المدرسة والصف الدراسي لضمانِ إنتاج متعلم قادر على الاندماج اقتصاديًّا في المُجتمع، بالشكل الَّذي يَضْمن غرس قِيَم الادخار والاعتدال لدى الأطفال، وتعزيز البُعد القِيَمي والدِّيني في السلوك الاقتصادي، بما يرسِّخ مفهوم الاستهلاك الرشيد. كما أنَّ توجيه أنماط الاستهلاك لدى الشَّباب، والحدَّ من النزعة نَحْوَ الكماليَّات والمظاهر، يُمثِّل خطوةً مهمَّة نَحْوَ تحقيق التوازن المالي، خصوصًا في ظلِّ التأثير المتزايد للثقافة الاستهلاكيَّة العالميَّة.

على أنَّ نجاح الأُسرة في مواجهة هذه التحدِّيات يتطلب تَبنِّي آليَّات عمليَّة لإدارة مواردها، تَقُوم على التخطيط المسبق للإنفاق، وتحديد الأولويَّات، ومراقبة الاستهلاك بشكلٍ دَوْري، وترشيد استخدام الطَّاقة والمياه، والاستفادة من البدائل المتاحة، والحدِّ من الاعتماد على الخدمات غير الضروريَّة، وتشجيع أفرادها على المشاركة في تحمُّل المسؤوليَّة الاقتصاديَّة، وتَبنِّي عادات غذائيَّة صحيَّة، والحدِّ من الاعتماد على الوجبات الجاهزة، وإعادة تقييم المشتريات ومستوى الحاجة إليها، وتبقى مسألة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأُسرة حَوْلَ القضايا الماليَّة، عاملًا مهمًّا في تعزيز الوعي، وبناء قرارات جماعيَّة أكثر اتزانًا، واعتدالًا.

من هنا فإنَّ التداعيات الناتجة عن التصعيد العسكري في الإقليم تضع المُجتمعات الخليجيَّة، ومنها مُجتمع سلطنة عُمان، أمام مسار آخر يَقُوم على إدارة السلوك الاستهلاكي في زمن الأزمات، والتفكير في أدوات أكثر عمليَّة في خلق أنماط استهلاكيَّة أكثر قدرة على استحضار مفهوم الترشيد والاعتدال القائم على الوعي الجمعي، والتزام مُجتمعي بكُلِّ فئاته وأطيافه بدءًا من الأطفال وهم في سنِّ التعليم ما قَبل المدرسي في انتهاج سلوك الادخار، وخلق ثقافة واتجاهات إيجابيَّة نَحْوَه، وتوظيف المنظور القِيَمي والدِّيني والأخلاقي في المُجتمع المسلِم وما أكَّدته تعاليم الإسلام وتشريعاته من دعوة إلى الاستهلاك العقلاني المعتدل والمنظّم والمؤطّر وفْقَ قواعد وشروط وضوابط تراعي هذه المتغيِّرات وتضع هذه الأحداث في المحكِّ.

إنَّ هذا الوعي الاستهلاكي الجمعي من شأنه أن ينعكسَ أيضًا على الأنماط الاستهلاكيَّة الحاصلة لدى الشَّباب خصوصَا والَّتي تبرز في القوَّة الشرائيَّة لبعض الكماليَّات أو الجوانب الأخرى المرتبطة بالمَرْكبات والاهتمام الزائد بها الَّذي يتجاوز حدود المنطق، ويتجافى مع مفهوم الأولويَّات والمسؤوليَّة الشخصيَّة في الحفاظ على الموارد والممتلكات الشخصيَّة، والسلوك النسائي المتَّجه نَحْوَ شراء السِّلع أو العلامات (الماركات) العالميَّة من محالَّ عالميَّة وعلامات تجاريَّة، وأدوات التجميل والزينة وغيرها ممَّا سيؤطِّر لفهمٍ مُجتمعي يشترك فيه الرجال والنساء ووعي متحقق تبرز فيه فرص الانتقاء والاختيار الواعي الَّذي يحقق مستويات عُليا من الذَّوق وفي الوقت نفْسه يتناسب مع الظروف الاقتصاديَّة والماليَّة الناتجة عن هذا التصعيد.

أخيرًا ومع اليقين بأنَّ هذه الأحداث الخطيرة الَّتي تعيشها المنطقة رغم قسوتها، وتداعياتها السلبيَّة على كُلِّ مجريات الحياة اليوميَّة للإنسان الخليجي، فإنَّها تُمثِّل دروسًا متعلمة في اقتصاد الأزمات، فرصة لإعادة بناء الوعي الاستهلاكي، وتصحيح المسارات، وتعزيز الاعتماد على الذَّات، وبناء وعي جديد أكثر نضجًا. فبَيْنَ سياسات الدَّولة، وسلوك الأفراد، تتشكل ملامح الاستجابة للأزمة، ويبرز الوعي الاستهلاكي كعامل حاسم في تحقيق التوازن والاستقرار. إنَّ الرهان الحقيقي يكمن في قدرة المُجتمع على تحويل هذه التحدِّيات إلى فرص، من خلال تعزيز ثقافة الاعتدال، وترسيخ قِيَم المسؤوليَّة، وبناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة، وثقافة استهلاكيَّة أكثر وعيًا واتزانًا، تَضْمن للأفراد حياة كريمة، وللمُجتمع تماسُكه واستقراره.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]