السبت 28 مارس 2026 م - 9 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

ترشيد الاستهلاك فـي زمن الخوف من المخاطر ضرورة

ترشيد الاستهلاك فـي زمن الخوف من المخاطر ضرورة
السبت - 28 مارس 2026 05:21 ص

نجوى عبداللطيف جناحي


تتعاقب الأيَّام علينا بَيْنَ حُلوِها ومُرِّها، وكم من أيَّام وليالٍ تمرُّ وفي طيَّاتها عواصف وأعاصير تقصف راحة بالنا وإحساسنا بالأمان، تلك الليالي الَّتي تكُونُ محمَّلة بالمخاطر كأيَّام انتشار الأمراض، وأيَّام الكوارث الطبيعيَّة، وأيَّام الحروب، فتشهر في وجهنا رايات تثير في نفوسنا الخوف والقلق من هذه المخاطر تلك المخاطر الَّتي تُهدِّد حياتنا أو صحَّتنا أو أموالنا، فنخاف على أنْفُسنا وأهلِنا من الموت، ومن ألَمِ الإصابات والمرض، ونخاف الفقر ونقص الاحتياجات؛ فيتربَّع الخوف في قلوب الناس بدلًا الإحساس بالأمان. ونتيجة هذا الخوف تصدُر من الناس تصرُّفات مضطربة وغير متوازنة فيقع الضَّرر على الناس والمُجتمع نتيجة هذه التصرفات على الرّغم من عدم وقوع المخاطر الَّتي يحذر الناس منها. ومن هذه التصرفات المضطربة تخزين الطعام والحاجات الأساسيَّة.

نعم.. فإنَّ الإحساس بالأمن من الحاجات الأساسيَّة للإنسان، ألَمْ يمنَّ الله على خلقه عندما قال في كِتابه العزيز في الآية الرابعة من سورة قريش (الَّذي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ). فالإنسان بطبيعته بحاجة لتأمين الغذاء وتوفير الأمان. وفي أوقات الأزمات والقلق، يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن الأمان، ويحرص على توفير الغذاء والطعام. وغالبًا ما يترجم هذا الشعور إلى سلوك استهلاكي مفرط كالتخزين الزائد للأطعمة أو الشراء بدافع الخوف لا الحاجة. ورغم أنَّ هذا السلوك قد يبدو مبررًا نفسيًّا، إلَّا أنَّه قد يؤدي إلى نتائج عكسيَّة على الفرد والمُجتمع، مثل هدر الموارد وارتفاع الأسعار وحرمان الآخرين من احتياجاتهم الأساسيَّة.

وتزداد أهميَّة التزام الناس بالسلوك المعتدل في الاستهلاك وترشيد الاستهلاك في زمن الخوف من المخاطر، إلَّا أنَّ ترشيد الاستهلاك لا يعني الحرمان، بل هو وعي ورُشْد في استخدام الموارد وفْقَ الحاجة الحقيقيَّة، بعيدًا عن الانفعال والاندفاع؛ ففي زمن الخوف، يصبح الوعي الاستهلاكي مسؤوليَّة اجتماعيَّة أخلاقيَّة قَبل أن يكُونَ خيارًا شخصيًّا.

وعلى المستهلِك التَّمييز بَيْنَ الحاجة والرَّغبة. فشراء كميَّات كبيرة من المواد الغذائيَّة أو المنتجات الصحيَّة دُونَ ضرورة قد يؤدي إلى تلفها أو انتهاء صلاحيَّتها؛ وبالتَّالي خسارة ماليَّة وهدر غير مبرَّر. كما أنَّ هذا السلوك يضغط على سلاسل الإمداد ويخلق نقصًا مصطنعًا في الأسواق. وهنا تبرز أهميَّة التخطيط المسبق للشراء، فهذا التخطيط يؤدي دَوْرًا أساسيًّا في ترشيد الاستهلاك. فلا بُدَّ من إعداد قائمة بالمشتريات المطلوبة وذلك بعد مراجعة ما هو متوافر في المنزل قَبل التوجُّه للتسوق، فذلك يقلِّل من التكرار في المشتريات والهدر، كما يساعد على تجنُّب الشِّراء العشوائي. إنَّ الترشيد في عمليَّة الشِّراء يُعزِّز ثقافة المشاركة والتكافل، فهو يُسهم في تقليل الأثَر السلبي للأزمات. فعندما يحرص الأفراد على شراء ما يكفيهم فقط، يتيحون الفرصة لغيرهم للحصول على احتياجاتهم، ممَّا يُعزِّز روح التضامن المُجتمعي.

وفي زمن الخوف من المخاطر، علينا تعزيز الوعي الإعلامي، فكثيرًا ما تنتشر في مثل هذه الفترات الشائعات بسرعة، وتسهِّل وسائل التواصُل الاجتماعي نَشْرَ هذه الشائعات الَّتي تزرع الخوف في النفوس ممَّا يدفع الكثيرين إلى الشراء المفرط. فبعض موجات الشِّراء المفرط تكُونُ رد فعل للشَّائعات غير صحيحة؛ فعلى المستهلك الاعتماد على مصادر موثوقة كمصدر للمعلومات وعدم تصديق أيِّ معلومة إن لم تكُنْ صادرةً من جهة مختصَّة.

إنَّ ترشيد الاستهلاك هو سلوك حضاري يعكس نضج الفرد ووعيه، وتزداد أهميَّة الالتزام بهذا السلوك في زمن الخوف من المخاطر، فهو يحمي ميزانيَّة الأُسرة ويُسهم في استقرار المُجتمع؛ فالاعتدال في الاستهلاك هو أحد أشكال القوَّة في مواجهة الأزمات؛ لأنَّه ينبع من وعي وثقة لا من خوف واندفاع... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@