للحروب والصراعات أدبيَّاتها ومصطلحاتها الَّتي يتمُّ تداولها خلالها ولها دلالاتها ومعانيها؛ وبالتَّالي تأثير تداولها على حياة المُجتمعات المتأثرة بتلك الصراعات.
ومن أبرز ما كثر استخدامه من مصطلحات حاليًّا، هو مصطلح «إعلان القوَّة القاهرة» الَّذي استخدمته بعض منشآت إنتاج وتصدير النفط والغاز بالمنطقة جرَّاء تأثُّر عمليَّاتها التصديريَّة بتداعيات تطوُّرات الأحداث الجارية وما ترتَّب عليها من تعثُّر في تنفيذ بعض الالتزامات التعاقديَّة.
ووفقًا لخبراء القانون فإنَّ إعلان القوَّة القاهرة هو توصيف قانوني لواقعة استثنائيَّة تتوافر فيها شروط محدَّدة أبرزها أن يكُونَ الحدث خارجًا عن إرادة المَدين وغير متوقع عند التعاقد حيثُ يستحيل تلافي آثاره أو الخلاص منه.
وتشمل الحالات الَّتي يتمُّ فيها هذا الإعلان ـ على سبيل المثال ـ الحروب والاضطرابات العامَّة والكوارث الطبيعيَّة والأنواء المناخيَّة العنيفة، وغيرها من الظواهر الطبيعيَّة المشابهة.
ويترتب على ثبوت «القوَّة القاهرة» إعفاء الطرف المتضرِّر من المسؤوليَّة عن التعويض نتيجة عدم تنفيذ التزاماته. غير أنَّ ذلك لا يعني بالضرورة انقضاء الالتزام ذاته في جميع الأحوال؛ إذ قد يقتصر الأثَر على وقف التنفيذ إذا كانت الاستحالة مؤقَّتة.
ولكنَّ هذا الإعفاء لا يُشكِّل حماية مُطْلقة للطرف المتضرِّر في جميع علاقاته التعاقديَّة، لا سِيَّما فيما يتعلق بعقود التأمين؛ إذ تخضع هذه العقود لشروطها الخاصَّة الواردة في وثيقة التأمين، والَّتي تحدِّد بدقَّة نطاق المخاطر المغطاة أو المستثناة. وعادةً ما تنصُّ شركات التأمين بشكلٍ صريح على استثناء أو شمول مخاطر معيَّنة كالحروب والكوارث إمَّا بالإدراج ضِمن التغطية مقابل أقساط إضافيَّة أو باستبعادها بشكلٍ واضح.
وعليه، فإنَّ الأثَر القانوني لإثبات القوَّة القاهرة في العلاقة التعاقديَّة الأصليَّة لا يمتدُّ تلقائيًّا إلى علاقة المؤمن له بشركة التأمين؛ إذ يظلُّ التزام شركة التأمين بالتعويض مرهونًا بما تقضي به شروط الوثيقة. ومن هنا تنشأ الفجوة بَيْنَ الفَهْمِ الشَّائع لمفهوم القوَّة القاهرة باعتباره إعفاء شاملًا، وبَيْنَ التطبيق العملي الَّذي يقيِّد هذا الإعفاء بنطاق كُلِّ علاقة تعاقديَّة على حِدة.
المعروف أنَّ شركات التأمين لا تنظر إلى إعلان القوَّة القاهرة بحدِّ ذاته، بل إلى طبيعة الحدث وحدود التغطية المنصوص عليها في وثيقة التأمين، خصوصًا وأنَّ العقود التأمينيَّة عادةً تنبني على مبدأ الدقَّة في تحديد المخاطر المغطاة والمستثناة، لذلك فإنَّ تصنيف حدَث ما كقوَّة قاهرة كالحرب أو الأوبئة قد يكُونُ في الوقت نفْسه خارج نطاق التغطية ممَّا يضع المؤمَّن له في موقف متعارض؛ فهو مُعفى من المسؤوليَّة تجاه الغير، لكنَّه محروم من التعويض.
فقَدْ سبَق أن أسْهَمتْ جائحة كورونا في الكشف عن حجم هذا التعقيد بَيْنَ الإعفاء عن الالتزام والحرمان عن التعويض؛ إذ سارعت آلاف الشركات حَوْلَ العالم خلال فترة الجائحة إلى إعلان القوَّة القاهرة لتعليق التزاماتها، لكنَّها اصطدمت برفض واسع من شركات التأمين لتعويض خسائرها الناتجة عن «توقُّف أعمالها»، وذلك بحجَّة أنَّ تلك المسألة لم تكُنْ مشمولةً صراحة ضِمن الوثائق أو رُبَّما مدرجًة ضِمن الاستثناءات.
وفي السِّياق نفْسه قد يخدم إعلان القوَّة القاهرة شركات التأمين بشكلٍ غير مباشر وذلك باعتبار أنَّ إعفاء المؤمَّن له من المسؤوليَّة تجاه الأطراف الأخرى يعني تقليص حجم المطالبات التأمينيَّة المرتبطة بالتعويضات المَدنيَّة. بمعنى أنَّ عدم مطالبة المؤمَّن له بالتعويض تجعل شركة التأمين غير مطلوب منها دفع تعويضات ماليَّة.
ولكن في حال كانت وثائق التأمين تغطِّي صراحةً بعض آثار القوَّة القاهرة كما في تأمين الكوارث الطبيعيَّة أو بعض أشكال تأمين حالات توقُّف الأعمال، فإنَّ شركات التأمين قد تواجه موجات من المطالبات عالية الكلفة.
ووفْقَ هذا التوضيح يتبَيَّن أهميَّة الوعي ببنود التأمين وضرورة ربطها المسبق بمخاطر حالات إعلان القوَّة القاهرة كضرورة استراتيجيَّة في بيئات الأعمال العصريَّة الَّتي يزداد تقلُّبها يومًا بعد آخر.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»