السبت 28 مارس 2026 م - 9 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : رسالة ثقة فـي الاقتصاد العُماني

السبت - 28 مارس 2026 02:27 م

رأي الوطن


يُمثِّل التصنيف الائتماني أحَد أهمِّ المؤشِّرات الَّتي تقيس بها الاقتصادات قدرتها على الاستقرار وجاذبيَّتها للاستثمار، حيثُ يُنظر إليه كأداة تقييم شاملة تعكس مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الوطني، ومدى قدرة الدَّولة على الوفاء بالتزاماتها الماليَّة في مختلف الظروف. من هذا المُنطلَق يكتسب تأكيد وكالة «ستاندرد آند بورز» على التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان عند مستوى الدرجة الاستثماريَّة (-BBB) مع نظرة مستقبليَّة مستقرَّة أهميَّة خاصَّة؛ إذ يعكس هذا التقييم حصيلة مسار متكامل من بناء الثقة في السياسات الاقتصاديَّة وكفاءة إدارة الماليَّة العامَّة. فوكالات التصنيف لا تتعامل مع الأرقام بمعزل عن السياق، وإنَّما تقرأ خلْفَها جودة القرارات، واتِّساق التوجُّهات، وقدرة المؤسَّسات على الحفاظ على التوازن في بيئة إقليميَّة ودوليَّة معقَّدة، وهو ما يجعل هذا التصنيف ترجمة مباشرة لقوَّة الدَّولة المؤسَّسيَّة، ورسالة واضحة للأسواق بأنَّ الاقتصاد العُماني يتحرك ضِمن إطار من الاستقرار المدعوم برؤية قادرة على الاستمرار والتكيُّف.

وانطلاقًا من هذه الثقة الَّتي يعكسها التصنيف الائتماني، تأتي قوَّة المركزيْنِ المالي والخارجي لسلطنة عُمان كأحَد أهمِّ المرتكزات الَّتي تستند إليها هذه المكانة، حيثُ تكشف المؤشِّرات المرتبطة بحجم الأصول السائلة والاحتياطات الأجنبيَّة عن مستوى متقدم من الجاهزيَّة لمواجهة التقلُّبات؛ فامتلاك أُصول حكوميَّة تتجاوز (40) بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي، إلى جانب احتياطات نقديَّة قويَّة، يمنح الاقتصاد قدرة حقيقيَّة على امتصاص الصَّدمات، دُونَ أنْ تنعكسَ بشكلٍ حادٍّ على الاستقرار العام. وتظهر أهميَّة هذه المعطيات في ظلِّ بيئة إقليميَّة تتَّسم بعدم اليقين، حيثُ تتحول المرونة الاقتصاديَّة إلى عنصر حاسم في الحفاظ على التوازن المالي واستمراريَّة النشاط الاقتصادي. كما أنَّ هذه الهوامش الوقائيَّة لا تقتصر دلالتها على الجانب الدفاعي، وإنَّما تعكس أيضًا كفاءة إدارة الموارد، والقدرة على بناء احتياطات استراتيجيَّة في توقيتات مناسبة، بما يُعزِّز الثقة في متانة الاقتصاد ويمنحه مساحة أوسع للتحرك بثبات في مواجهة أيِّ متغيِّرات مستقبليَّة.

ولعلَّ ما يمنح هذه المؤشِّرات عُمقها الحقيقي، لجانب صلابتها الرقميَّة، هو قدرتها على التفاعل مع بيئة جيوسياسيَّة معقَّدة دُونَ أنْ تفقدَ توازنها، حيثُ يعكس استمرار تدفُّقات النفط والغاز من سلطنة عُمان رغم التوتُّرات الإقليميَّة نموذجًا لاقتصاد لا يكتفي بالتحصُّن داخليًّا، وإنَّما يتحرك بمرونة داخل محيطه، مستفيدًا من موقعه الجغرافي ونهجه السياسي المتَّزن، وهو ما انعكس في تحسُّن مؤشِّرات التبادل التجاري وتعزيز الفوائض الخارجيَّة. وتعكس هذه القدرة على الحفاظ على الاستقرار في لحظات الاضطراب إمكان تحويل التحدِّيات إلى فُرص، حيثُ تُعِيد الأسواق ترتيب مساراتها في أوقات الأزمات، وتظهر الاقتصادات القادرة على التموضع الذَّكي داخل هذه التحوُّلات، لِيتحولَ الاستقرار السياسي إلى أصلٍ اقتصادي فعلي، يوازي في تأثيره الموارد الطبيعيَّة، ويمنح الاقتصاد العُماني قدرة تنافسيَّة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى كفاءة إدارة هذه الجغرافيا في عالم يُعاد تشكيله باستمرار.

إنَّ قراءة هذه المؤشِّرات في سياقها الأشمل تَقُود إلى فَهْمٍ أعمق لطبيعة التحوُّل الَّذي يشهده الاقتصاد العُماني، حيثُ تُعَدُّ قوَّة الأداء مرتبطة بقدرة الدَّولة على تحقيق الاستقرار المالي، بجانب قدرتها على تحويل هذا الاستقرار إلى مسار مستدام، يَقُوم على تنويع مصادر الدَّخل وتعزيز القِطاعات غير النفطيَّة، وفي مقدِّمتها الطَّاقة المُتجدِّدة والهيدروجين والصناعات المرتبطة بالقِيمة المضافة، وهو ما يعكس توجُّهًا استراتيجيًّا لإعادة صياغة موقع سلطنة عُمان في الاقتصاد العالمي، بما يتجاوز دَوْرها التقليدي كمصدر للطَّاقة إلى فاعل مؤثِّر في منظومة الطَّاقة النظيفة. كما أنَّ استمرار ضبط الماليَّة العامَّة، وتحقيق التوازن في الميزانيَّة، والانخفاض المتوقَّع في مستويات الدَّيْنِ العام تُعزِّز من قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات، وتحويل الثقة الدوليَّة إلى فُرص نُمو حقيقيَّة، لِيصبحَ التحدِّي في المرحلة القادمة هو تعظيم الاستفادة من هذه المكانة، وتحويلها إلى مكاسب اقتصاديَّة مستدامة تدعم تنافسيَّة الاقتصاد، وتفتح آفاقًا أوسع للنُّمو على المدى الطويل.