كُلَّما زارتنا الأمطار في سلطنة عُمان كضيف عزيز نستبشر بأن تحملَ معها بشائر الخير وتغسل بقطراتها الطاهرة وجْهَ الأرض المتعطش للحياة.. فحين تتلبد السماء بالغيوم وتتعالى رائحة التراب المبلل يشعر المواطنون بفرحة غامرة كأنَّ الطبيعة تعزف سيمفونيَّة هادئة تُعِيد التوازن إلى الروح قَبل المكان.. فالأمطار في بلادنا ليست مجرَّد ظاهرة عابرة، بل هي وعد بالخصب وارتواء للأودية، وتجدّد للحياة في كُلِّ زاوية من زوايا الأرض.
وعندما تنساب المياه في الشعاب والوديان والأفلاج فإنَّها تبعث فيها نبضًا جديدًا، وتحيي ما كان ساكنًا من نبات وشجر، وتغدو الأرض أكثر اخضرارًا وتتنفس المزارع أملًا بموسم وفير.. وفي تلك اللحظات يبدو المشهد وكأنَّه لوحة بديعة مرسومة بعناية، حيثُ تمتزج السماء بالأرض في مشهد يفيض بالجَمال والسكينة.
غير أنَّ هذا الجَمال على ما فيه من سِحر وبهاء يحمل في طيَّاته وجهًا آخر لا يقلُّ حضورًا.. فالأمطار الغزيرة قد تتحول إلى سيول جارفة تَعْبر الأودية بقوَّة لا تقاوم، وتجرف في طريقها كُلَّ ما يعترضها.. وهنا يقف الإنسان أمام اختبار حقيقي بَيْنَ الانبهار بالمشهد والوعي بخطورته؛ لأنَّ الحوادث الَّتي تقع في مثل هذه الأوقات ليست قدرًا محتومًا بقدر ما هي نتيجة لسوء تقدير وجهل من البعض القليل جدًّا.. الَّذين أغرى منهم منظر المياه المتدفقة فغامر بعبور وادٍ هائج ظنًّا منه أنَّه قادر على مقاومة المياه أو اقترب من مجرى سيل لا يؤمَن جانبه غير مدرك أنَّ لحظة اندفاع قد تغيِّر مصيره إلى الأبد..
لقد شهدتِ البلاد في مُعْظم المحافظات خلال الحالة الجويَّة «منخفض المسرَّات» أمطارًا غزيرة وسيولًا جرفتِ المَركبات وجهودًا عظيمة من البلديَّات الإقليميَّة وشُرطة عُمان السُّلطانيَّة وفرق الإنقاذ بوحدة الدِّفاع المَدَني والإسعاف واللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة وهيئة البيئة وغيرها من الجهود الذاتيَّة المشكورة لإنقاذ المحتجزين في الأودية وغيرها من مشاهد التعاون الَّتي سطَّرت بأحْرُف من نور صورةً رائعة من التلاحم الوطني والتعاون.. فقَدْ أثبتتْ حكومتنا الرشيدة أثناء هذه الأزمة كسابقاتها أنَّها على أعلى درجة من الكفاءة والمسؤوليَّة للتعامل مع الأحوال المناخيَّة.. وكُلُّ جهة معنيَّة تَقُوم مشكورةً بعملها على أتمِّ وجْه.. وتبذل الجهات المعنيَّة في كافَّة المحافظات الجهود الحثيثة من أجلِ تذليل التأثيرات الناتجة عن المنخفض الجوِّي، وإعادة الأمور إلى طبيعتها من حيثُ شفط المياه من الطُّرق ومن أمام المنازل، وتسهيل حركة المرور بعد إزالة عوائق جرفتها السيول من أحجار وأتربة وحصى وغيرها من مخلَّفات الأودية، ونقلها إلى المرادم، إلى جانب رش المبيدات الحشريَّة في البِرَك والمستنقعات الَّتي تكوَّنت بسبب الأمطار، وغير ذلك من الجهود الَّتي تُعِيد رسم الصورة الحضاريَّة للبلاد.
إنَّ الأنواء الَّتي تُصيب بلادنا بَيْنَ الحين والآخر اختبار من الله سبحانه وتعالى، ولكن تكرارها يستدعي البحث عن طُرق لمواجهتها وتقليل خسائرها.. خصوصًا أنَّنا نمتلك تضاريس متباينة.. وجميعًا نأسف على الضحايا والأضرار الَّتي أصابتِ الممتلكات، ولكن قدَّر الله وما شاء فعل، وندعو الله ألَّا تتكرر مثل هذه الحوادث المؤسفة في المرَّات القادمة.. فممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الالتزام بالإرشادات الصَّادرة عن الجهات المختصَّة ليس تقييدًا للحُريَّة، بل هو صون للحياة.. فالوقاية خير من العلاج، والحذر في مثل هذه الظروف واجب والوعي هو خط الدِّفاع الأول أمام مخاطر الطبيعة.. وبَيْنَ الفرح بنزول المطر والمسؤوليَّة في التعامل معه تتجلى حكمة الإنسان وقدرته على الموازنة.
إنَّ الأمطار نعمة عظيمة تذكِّر الإنسان بعطاء السَّماء الَّذي لا ينقطع.. لكنَّها في الوقت ذاته درس في التواضع أمام قوى الطبيعة.. فمن أحسَنَ استقبالها بالوعي والحذر نال خيرها، ومَنِ استهان بها قد يدفع ثمنًا لا يعوَّض.. لتظلَّ الأمطار في عُمان حكاية مزدوجة بَيْنَ حياة تزهر، وبَيْنَ تنبيهٍ دائم بأنَّ الجَمال لا يخلو من الهيبة.
حفظ الله بلدنا الحبيب من كُلِّ مَكْروه، وجعل أمطارنا خير وبركة وعمَّ نفعها أرجاء البلاد.. اللَّهُمَّ آمين.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني