الخميس 26 مارس 2026 م - 7 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

مصداقية السياسة العُمانية وأهمية فهم أدوارها الإنسانية

مصداقية السياسة العُمانية وأهمية فهم أدوارها الإنسانية
الأربعاء - 25 مارس 2026 05:40 ص

خميس بن عبيد القطيطي

20


التجربة السياسيَّة العُمانيَّة ودلالاتها الإنسانيَّة كفيلة بتقديم نموذج واضح للسياسة العُمانيَّة، وسلطنة عُمان ليستْ بحاجة إلى التذكير بمبادئ سياستها الخارجيَّة ومرتكزاتها الرئيسة باعتماد الحياد الإيجابي، وعدم التدخُّل في شؤون الآخرين، وعدم تأجيج الاختلافات، بل السَّعي إلى تحقيق السَّلام والاستقرار، وإبعاد شبَح الحروب عن المنطقة، والوساطة المحايدة والنزيهة في حال احتدام وتشابك المواقف والأزمات، وإطلاق المواقف والآراء المُعَبِّرَة عن نظرة ثاقبة للمستقبل. والأهمُّ مِن ذلك كُلِّه أنَّ عُمان لا تبحث عن المصالح على حساب أحد ولا تستغلُّ الأزمات، بل تسعى لِمَا فيه الصالح العامُّ للمنطقة والإقليم، وتحترم حقَّ الجوار، وتحتضن الفرقاء، وتفتح حدودها لِمَن تقطَّعتْ بهم السُّبل نتيجة الأزمات والأحداث الدوليَّة. وليس ذلك بغريب على بلد اتَّكأ على تاريخ حافل من الإضاءات والمواقف المشرِّفة وحضارة ضاربة في العُمق منذ آلاف السِّنين، رسَّختها الجينات العُمانيَّة الَّتي ما زالت حتَّى اليوم تقدِّم شخصيَّة نموذجيَّة استثنائيَّة للإنسان العُماني الَّذي لا يُمكِن أن يجانبَ تلك الحقيقة التاريخيَّة، بل ينحاز دائمًا لتلك الفطرة الإنسانيَّة المتوارثة.

عندما وفد مازن بن غضوبة العُماني على النَّبي الكريم محمَّد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فدعا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لعُمان وأهلها، توَّجتْ عُمان تلك العلاقة المبكرة مع الدَّعوة الجديدة عندما أرسل الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) رسائل الدَّعوة للإسلام إلى الأقطار، فكانت عُمان من أوائل الأقطار الَّتي دخلتِ الإسلام طوعا تأكيدًا على تلك الفطرة السويَّة؛ فأسْهَمَ العُمانيون في الفتوحات الإسلاميَّة منذ فجر الإسلام. ومن الدلائل المُعَبِّرَة عن أهل عُمان عندما جاء أحد مبعوثي الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم) يشتكي ممَّا لاقاه من أهل تلك الدِّيار الَّتي بُعِث لها، قال الرسول (صلَّى الله عليه وسلَّم): «لو أنَّك أتيتَ أهل عُمان ما سبُّوك وما ضربوك». وهو من الأحاديث الصَّحيحة شهادة تؤكِّد تلك الفطرة العُمانيَّة السَّليمة عزَّزها دعاء الرسول الكريم لأهل عُمان وثناؤه وثناء الخلفاء الراشدين؛ لِتبقَى الشخصيَّة العُمانيَّة متمسكةً بسلوكها القويم على مدى التاريخ ولله الحمد.

ظلَّ الكيان العُماني طوال التاريخ متمسكًا بقِيَمه ومُثُله العُليا، فقدَّمتْ عُمان إضاءات مشرِقة عَبَّرَتْ عن جوهر السياسة العُمانيَّة، كما تصدَّتْ عُمان خلال تاريخها للغزاة دفاعًا عن نفْسها وعن الإقليم. ولا شكَّ أنَّ أبرزَ تلك المحطَّات كان في القرن السابع عشر عندما قاوَمَ العُمانيون الاحتلال البرتغالي في عصر الأئمَّة اليعاربة حتَّى تمَّ طردُهم من عُمان وسواحل الخليج وملاحقتهم إلى شرق إفريقيا لِتبنيَ عُمان دولة سلام وحضارة عظيمة في القرن الإفريقي حاضرتها زنجبار الَّتي دامتْ تحت حُكم سلاطين عُمان حتَّى الِّنصف الثاني من القرن العشرين. كما أنَّ حادثة حصار البصرة في منتصف القرن الثامن عشر كان خير شاهد على الحضور العُماني المدافع عن المنطقة؛ فقَدْ تمكَّن الأسطول العُماني في عهد الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي من فكِّ الحصار عن البصرة، وقطعتْ سفينة الرحماني سلاسل الحديد الَّتي وضعَها الفُرْس في شط العرب، فاستمرَّتْ إتاوة البصرة تأتي إلى عُمان عرفانًا من الخليفة العثماني بِدَوْر عُمان المشرِّف.

لم تشأ عُمان أن توسِّعَ امبراطوريَّتها بالقوَّة؛ كونها لم تكُنْ دولةً استعماريَّة، بل حافظتْ على الأمن والسَّلام والازدهار، وهذا هو نهجها القويم في مختلف مراحلها التاريخيَّة، وهكذا كانت علاقة عُمان مع الجوار ودول الإقليم، بل إنَّ عُمان سعَتْ لترسيمِ حدودها بالشَّكل الَّذي يُرضي الجوار ويُبعِد شبَح التوتُّرات، وعُمان تعترف بحقِّ الجار وتسعى إلى خيره وأمنِه وازدهاره، بل تسعى إلى إبعاد كُلِّ ما من شأنه تعطيل مَسيرته في حال طلبتْ مشورة عُمان. وهناك مواقف متعدِّدة تُثبتُ فيها سلطنة عُمان تلك القِيَم والمبادئ الإنسانيَّة؛ لذا فقَدْ أمسَتْ عُمان مطلبًا للفرقاء والوسيط الموثوق دائمًا.

عُمان اليوم هي عُمان الأمس، وهي عُمان الغَدِ الباحثة عن خير واستقرار المنطقة والإقليم، وهي تقول كلمة الحق دائمًا، وتفتح الأمل للمستقبل، يضرُّها ما يضرُّ أشقَّاءها، وتجربتها التاريخيَّة كفيلة بتقديم نفْسها كبارقة عربيَّة تبحث عن الخير والسَّلام والاستقرار للأشقاء العرب عمومًا والإقليم. حفظ الله عُمان وأسبَغ عليها نِعمه وجميع أشقائها في الإقليم والوطن العربي، ونسأله تعالى نَشْر الأمن والأمان والاستقرار لجميع دولنا وشعوبنا العربيَّة والإسلاميَّة، كما نسأله سبحانه وتعالى النصر المؤزَّر لهذه الأُمَّة، نِعْم المولى ونِعْم النَّصير.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]