الثلاثاء 24 مارس 2026 م - 5 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

شباب ذوو إعاقة .. بين الإبداع الرقمي والفن التفاعلي

شباب ذوو إعاقة .. بين الإبداع الرقمي والفن التفاعلي
الثلاثاء - 24 مارس 2026 02:46 م


 مسقط ـ العُمانية: في ظل التحوُّلات الرقميَّة المُتسارعة، برزت مجالات الإبداع الرقميّ والفنِّ التفاعليّ كمساحات رحبة تمكّن الأفراد من تحويل أفكارهم إلى تجارب فنيَّة حيَّة تتفاعل مع الجمهور. ولا يُعد الابداع اليوم حِكرًا على فئة دون أخرى، حيثُ يبرز حضور الشباب من الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم نماذج مُلهمة تغلّبت على التحديات واستطاعت توظيف الأدوات الرقميَّة والتقنيات الحديثة لصناعة محتوى إبداعيّ يعكس روح الإرادة والموهبة. 

فيما يتعلّق بالجانب التقنيّ العميق، يمكن تحويل المنطق البرمجيّ إلى أدوات تخدم المُجتمع وتثبت كفاءته المهنيَّة، فلا بد من تطويع لغات البرمجة والذكاء الاصطناعيّ لابتكار حلول تقنيَّة تتجاوز العوائق التقليديَّة، يقول علي العمري وهو مُبرمج من ذوي الإعاقة البصريَّة: في الحقيقة أنا مُهتم بالتقنيَّة منذ وقت طويل، وقد واكبت الكثير من مراحل التطوّر لتقنيات الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل عام والأشخاص ذوي الإعاقة البصريَّة بشكل خاص، منذ بدايات ظهور برامج القراءة التقليديَّة إلى أن وصلنا لعصر الذكاء الاصطناعيّ والبرمجة، والذي فتح لنا آفاقًا هائلة لم نكن نتخيلها أبدًا، فاليوم وبفضل البرامج المخصَّصة، أصبحنا قادرين على إيجاد حلول للمشاكل اليوميَّة التي نواجهها، لتسهيل حياتنا وتسريع إنجاز المهام ونحو ذلك بشكل أفضل.

يُقول العمري: قام الكثير من المكفوفين بابتكار برامج للمُساعدة على قراءة وتحليل المُستندات المصوّرة على سبيل المثال، ولتحليل الصور، وتسهيل التنقل في البرامج، وأداء المهام اليومية، وأكثر من ذلك بكثير، واليوم هناك فائض في البرامج التي يكتبها مكفوفين في شتى المجالات.

ويُضيف: أنا أعمل ولله الحمد في البرمجة، بالأخص برمجة المواقع الإلكترونيَّة، وقد قمت بإنشاء موقع إلكتروني، عبارة عن مكتبة إلكترونيَّة خاصة بالمكفوفين، لتوفير كتب سهلة الوصول، ولتكون مرجع ضخم للكتب النصيَّة، وقد قمت بتزويد الموقع بخصائص كثيرة لتسهيل التصفح والتنزيل والقراءة، وقد استخدمنا الذكاء الاصطناعي لتحويل الكتب المصوّرة عبر برنامج مُخصص، مما أتاح لنا عدد أكبر من الكتب لم تكن متوفرة لنا سابقًا. ويقول طارق بن أحمد اليوسفي وهو مصمم جرافيكي من ذوي الإعاقة السمعيَّة: لقد عملتُ على تطوير نفسي بالمُشاركة الدائمة في المؤتمرات والمعارض وكذلك في أعمال التطوّع، وبعد التخرّج بشهادة البكالوريوس من الكليَّة العلميَّة للتصميم التحقتبمركز البناء البشريّ لصقل بعض المهارات المطلوبة في مجال التصميم، كما قمت بعمل عدة أعمال أثناء الدراسة منها التصميم الجرافيكيّ والتصميم الرقميّ.

وفيما يختص بقدرة المُصمم على دمج الهويَّة العُمانيَّة الأصيلة بلمسات رقميَّة حديثة، يقول اليوسفي: بعد الدراسة والتعلم المُستمر والعمل في مجال الفن التفاعليّ الرقميّ والتصميم الجرافيكيّ، حاولت دائمًا أن أجعل الهويَّة العُمانيَّة هي النقطة الأساسيَّة في الأعمال من حيث المُحتوى الفنيّ، وأن أقدِّمها بأسلوب رقميّ حديث يُلامس المُحتوى العمانيّ بطريقة مُناسبة.

ويذكر: استلهمت بعض عناصر التراث العُمانيّ، والخط العربيّ، والأبواب العُمانيَّة القديمة، وألوان البيئة العُمانيَّة كألوان البحر والصحراء والجبال، ثم قمت بتحويلها إلى عناصر بصريَّة رقميَّة مُتحركة وتفاعليَّة، وأرى أنّه عندما يتفاعل المُشاهد مع العمل (باللمس أو الحركة أو الصوت) يشعر وكأنه يُشارك في اكتشاف هذا العمل بطريقة جديدة ومُعاصرة. ويُبين أنَّ هذا الدمج بين الأصالة والتقنيَّة يُساعد على إيصال رسالة مفادها أنَّ التراث ليس شيئًا ثابتًا في الماضي، بل يُمكن أن يعيش ويتجدد عبر الوسائط الرقميَّة الحديثة، مما يجعل الجمهور (خصوصًا الشباب) أكثر ارتباطًا به.

أما بالنسبة للتصميم الجرافيكيّ ومدى منحه مساحة حرّة للتعبير عن ذاته وإبداعه دون الوسائط التقليديَّة، فيلفت اليوسفي في حديثه: «منحني مساحة أوسع بكثير للتعبير والإبداع مُقارنة بالوسائط التقليديَّة، ففي الفنِّ الرقميّ يمكنني تجربة الألوان والحركة والصوت والتفاعل في العمل الواحد وباستخدام عدة تقنيات، ويُمكن تعديل الأفكار بسرعة حسب المطلوب توضيحه وابتكار تجارب حسيَّة مُتكاملة.

وعن تحويل الصَّمت إلى أفكار فنيَّة مُبهرة، تقول سماح بنت بدر الهوتية وهي فنانة تشكيليَّة من ذوي الإعاقة السمعيَّة: بالنسبة لي، الصَّمت لم يكن عائقًا أبدًا، بل كان مساحة مُختلفة أرى فيها العالم بطريقة أعمق، عندما لا أسمع الأصوات من حولي، أركّز أكثر على التفاصيل البصريَّة والمشاعر والحركات، وهذه الأشياء تتحوّل في داخلي إلى أفكار وصور فنيَّة، أحيانًا أشعر أنَّ الصَّمت يمنحني هدوءً يسمح لي بأن ألاحظ ما قد لا ينتبه له الآخرون، ومن هنا يبدأ الإبداع.

وكيف أسهم الفنُّ التفاعليّ في كسر الحواجز وساعدها في بناء جسر يربط النّاس بعالمها الخاص، تقول: من خلال الفنِّ التفاعليّ، يستطيع الجمهور أن يلمس العمل أو يتفاعل معه أو يعيش التجربة معي، حتى لو لم نتواصل بالكلام، هذا الفنُّ جعل الناس يفهمون عالمي بطريقة مُختلفة، ويشعرون أنَّ الاختلاف ليس حاجزًا، بل فرصة للتواصل بطرق جديدة». تُضيف الهوتية: «بالنسبة لي، أجمل لحظة هي عندما أرى الناس يتفاعلون مع العمل الفنيّ ويكتشفون أنَّ الفنَّ لغة يفهمها الجميع».

وفيما يختص بدمج عين المصوّر بمهارة الفنان الرقميّ، يقول عبد الله بن محمد السليماني وهو صاحب مؤسسة السليمي للإعلام من ذوي الإعاقة الحركيَّة: أثناء دراستي العُليا، عملتُ في مجال تنظيم المُناسبات والمؤتمرات وتغطيَّة الفعاليات، كما حصلت على جوائز تقريريَّة في مجال إنتاج الأفلام والتغطيات الإعلاميَّة، كما عملت في مجال الصوتيات والتسجيل ثمّ سافرت إلى عدّة دول للتعرّف على الشركات الخليجيَّة المُختصَّة في مجال الإنتاج والإعلانات.

يهتم السليماني في مؤسسته بتقديم برنامج (إبداعي عنواني) في اليوتيوب يهدف إلى إخراج المواهب والإبداعات العُمانية في شتَّى المجالات، كما شاركت مؤسسته في ملتقى الإبداع الخليجيّ للأشخاص ذوي الإعاقة الأول بتقديم برنامج سنويّ تطوعيّ يعمل على تنظيم فعاليات خيرية داعمة لمؤسسات التوحد ومرضى السرطان.

أمَّا عن مساهمة التحديات التي يمكن مواجهتها في صقل (رؤيته الفنيَّة الخاصَّة) لتصبح محركًا للابتكار بدلًا من أن تكون عائقًا، فيقول السليماني: «في كل بداية هُناك تحديات كبيرة ومُختلفة مع تغيُّر الظروف المُحيطة التي يمكن تحقيقها من خلال كل مرحلة، فعلى سبيل المثال لا يُمكن استخدام التقنيات القديمة باستخدام التقنيات والتكنولوجيا الحديثة وعالم الذكاء الاصطناعي»، يُضيف: «الصعوبات والتحديات التي من المُمكن التغلّب عليها هو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الأفراد وأن يكون الدعم من قبل الجهات الحكوميَّة والخاصَّة في إسنادهم بالمشاريع وليس من خلال الدعم المادي فقط، بل من خلال المهارات والخبرات وأيضًا الكفاءات».

شباب ذوو إعاقة .. بين الإبداع الرقمي والفن التفاعلي
شباب ذوو إعاقة .. بين الإبداع الرقمي والفن التفاعلي