حاوره ـ وحيد تاجا:
يُعَدُّ الفنان العراقي رجب كركوكلي (مواليد 1965) أحد الأسماء الفاعلة في ساحة الخط واللوحة الحروفية، حصد الجائزة الذهبية في مهرجان الأردن العالمي وعدة دروع إبداع عربية. في حواره مع (الوطن)، يفتح كركوكلي نوافذ على تجربته التي تمتد من صرامة القواعد الكلاسيكية إلى رحابة التشكيل الحديث، مؤكدًا أن الخط ليس مجرد فن، بل هو (علم وفلسفة) ضاربة في عمق الحضارة.
ـ بداياتك ارتبطت بأسماء وازنة في كركوك وبغداد، كيف تشكلت هويتك الأولى؟
بدأت رحلتي منذ الصغر، واستهواني الخط الديواني والإجازة والتعليق. تأثرت برواد كركوك مثل محمد عزت وعوني نقاش، لكن الخطاط الكبير هاشم البغدادي ترك أثرًا لا يُمحى في مسيرتي. كان المعلم شاهين كركوكلي هو المحرك الأول لموهبتي. لقد تعلمت أن (الإجازة) من عمالقة كالبغدادي أو الحامدي ليست مجرد ورقة، بل هي سلسلة ذهبية تربط الخطاط بأجيال المبدعين، وتمنح أعماله هالة من الاحترام والاعتراف بالأصالة.
ـ قلت إن الخط بالنسبة لك (أكثر من مجرد فن)، ماذا تقصد ببعده الفلسفي؟
الخط العربي علم وفلسفة متجذرة في أعماق الحضارة الإسلامية. هو رحلة استكشاف لا تنتهي لتناجم الحروف وتاريخ الهوية. بيكاسو نفسه قال إنه كلما تعمق في الرسم وجد أن الخط العربي قد سبقه لأبعاد فنية وعلمية عميقة. إنه أرقى وسيلة للتعبير عن كينونتنا.
ـ انتقلت من الخط الكلاسيكي إلى (اللوحة الحروفية)، ما الذي دفعك لهذا التحول؟
كانت نقطة التحول حين التحقت بدورة في الفن الحديث، فاكتشفت عالم الحروفية بجماله التجريدي. وبدعم من الخطاط أيوب قوشجي، بدأت تطوير أسلوب خاص يمزج بين المواد المبتكرة والقواعد العريقة، وكنت أول من مارس الحروفية في مدينتي. الحروفية لم (تنتصر) على الكلاسيكية، بل هي غصن جديد في شجرة مثمرة، هي إضافة بُعد معاصر لا يلغي الجذور.
ـ يُقال إن الخطاط العربي اتجه للحروفية بينما تمسك التركي والإيراني بالكلاسيكية، ما دقة هذا الرأي؟
هذا الرأي يفتقر للدقة. عالم الخط غني بالتنوع، فالإيرانيون يبدعون في الحروفية بالخط الفارسي، والمدرسة التركية الحديثة تتبنى أساليب تجريبية. الحروفية تيار فني عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية للمدارس الخطية.
ـ كيف يبدع الخطاط في ظل (قواعد صارمة) وصفها المستعصمي بأنها (هندسة روحانية)؟
التوازن هو السر. الخطاط المبدع ليس حرفيًّا ينفذ قواعد، بل فنان يبتكر داخل النظام. الحرف يبقى هو الأساس، لكن لنا حرية واسعة في التركيب وتجميل الكتلة. الإبداع الحقيقي هو أن تضع لمستك الشخصية دون أن تكسر روح القاعدة.
ـ هل تشكل التكنولوجيا خطرًا على (يد) الخطاط وروحه؟
التكنولوجيا أداة مساعدة قوية بشرط استخدامها الصحيح. التطبيقات الرقمية تفتح آفاقًا للتجريب وتجذب الأجيال الشابة، لكنها لا يمكن أن تحل محل (الإحساس) البشري. كتابة القرآن الكريم أو اللوحات الروحانية تبقى مرتبطة بالخط اليدوي، فالكمبيوتر يفتقر للروح التي يضفيها الخطاط على الحرف.
ـ نلاحظ انحيازك لخط (الثلث) وللألوان المستمدة من الطبيعة (الأخضر والبني)، لماذا؟
(الثلث) هو سيد الخطوط وأصعبها، رشاقته وقواعده الصارمة تمنح اللوحة عمقًا لا يضاهى، وصعوبته تمثل تحديًا دائمًا لذاتي. أما الأخضر والبني، فهما ثنائية الأرض والطبيعة؛ الأخضر للهدوء والبني للاستقرار والقوة، وهما يعكسان ارتباطي بالإنسان والمكان.
ـ كيف تبدأ رحلتك الفنية في إبداع لوحة جديدة؟ أ ترسم مخططًا مسبقًا أم تترك مساحة للارتجال؟ وما المعايير التي تحدد لك لحظة اكتمال العمل؟
أبدأ كل لوحة برحلة داخلية، أستكشف فيها الأفكار والمشاعر التي أريد التعبير عنها. قبل أن أبدأ في الرسم، أقوم بتحضير المواد التي سأستخدمها، وأرسم في ذهني صورة واضحة للوحة النهائية. هذا التخطيط المسبق يساعدني على تحقيق الرؤية الفنية التي أطمح إليها، ولكنني في الوقت نفسه أترك مساحة للارتجال والتجريب في أثناء العمل، حيث قد تظهر أفكار جديدة وألوان غير متوقعة تغير مسار اللوحة.
ـ بصفتك رئيسًا لاتيليه فناني العالم (فرع العراق)، كيف تقيم سوق اللوحة الحروفية اليوم؟
هناك تحول ملحوظ، فبينما سيطر الخط الكلاسيكي طويلًا، نجد الآن اهتمامًا متزايدًا باللوحة الحروفية المعاصرة، خاصة في دول الخليج. هذا يعكس وعيًا جديدًا بالفن المعاصر، وإن ظل الخط الكلاسيكي يحتفظ بمكانته لدى جامعي الفنون التقليدية الذين يبحثون عن عبق التراث.