في ظلِّ ما تشهده سلطنة عُمان خلال هذه الفترة من التأثيرات المستمرة للأخدود الجوي الممطر «منخفض المسرَّات» وما صاحبه من هطول أمطار غزيرة على عدد من المحافظات، وجريان الأودية، وتأثُّر بعض الطُّرق وانقِطاع الحركة المروريَّة في أجزاء منها، تتجدَّد الحاجة إلى التأكيد على أهميَّة وعي المواطن وثقافته باعتباره القوَّة الناعمة في إدارة هذه الحالة وغيرها من الحالات الجويَّة المماثلة، والتعامل الحكيم معها، والتقليل من تداعياتها.
وبالتَّالي يُمثِّل وعي المواطن أحد المرتكزات الأساسيَّة لنجاح الجهود الوطنيَّة السَّاعية إلى تعزيز إدارة الحالات الطارئة، وترسيخ أصالة المنهجيَّة العُمانيَّة المشهود لها في إدارة الحالات الطارئة، والتعامل مع ما مرَّ على سلطنة عُمان في فترات متعاقبة من أعاصير وأنواء مناخيَّة ومنخفضات جويَّة مطيرة، انطلاقًا من أنَّ الوعي هو طريق القوَّة في التعبئة للقِيَم الوطنيَّة المعزِّزة للتَّماسُك الاجتماعي في التعامل مع الظروف المناخيَّة الصعبة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحالات الجويَّة والمناخيَّة الممطرة، بما تحمله من أخطار محتملة، كواحدة من أبرز التحدِّيات الَّتي تتطلب حضورًا واعيًا، والتزامًا عميقًا، وفكرًا سديدًا، وسلوكًا قويمًا من المواطن والمُقِيم على حدٍّ سواء، قادرًا على التفاعل الإيجابي والمسؤول مع معطياتها؛ لذلك بادرتِ الحكومة، وعَبْرَ اللجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة، إلى تفعيل عمل المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، والقِطاعات واللجان الفرعيَّة في المحافظات المتأثرة، بما يعكس جاهزيَّة مؤسَّسيَّة عالية للتعامل مع الحالة الجويَّة.
غير أنَّ هذه الجهود، على أهميَّتها، لا يُمكِن أن تُحققَ أهدافها كاملة دُونَ شراكة مُجتمعيَّة واعية، يكُونُ فيها المواطن عنصرًا فاعلًا، لا مجرَّد متلقٍّ للتَّوجيهات؛ ذلك أنَّ وعي المواطن الطريق لترجمةِ هذه الجهود إلى واقع عمل ونتائج ملموسة، من خلال التزامه بالإرشادات، وتجنُّبه السلوكيَّات الخاطئة، وتعاونه مع الجهات المختصَّة من حيثُ تجنُّب عبور الأودية، والالتزام بإجراءات السَّلامة حفاظًا على الأرواح والممتلكات، والابتعاد عن الأماكن المنخفضة في الطُّرقات وتجمُّعات المياه وبطون الأودية، وتجنُّب الخروج إلَّا للضرورة عند نزول الأمطار، وعدم السرعة في أثناء هطول الأمطار، وعدم المجازفة بعبور الأودية، وتجنيب النفْس والأُسرة المخاطر وعدم تعريضها لمخاطر عبور الأودية، وتوخِّي أقصى درجات الحيطة والحذر، والحرص على اتِّباع تعليمات السَّلامة العامَّة، ومتابعة آخر مستجدَّات الحالة الجويَّة من المصادر الرسميَّة والحسابات المعتمدة للمؤسَّسات ذات الصِّلة، واستقاء المعلومات الصحيحة من المصادر الرسميَّة، وتجنُّب تداول الشائعات والأخبار مجهولة المصدر، هو السلوك الأمثل أثناء الحالات الجويَّة الطارئة.
إنَّ المخاطر البيئيَّة الناتجة عن الأنواء المناخيَّة، مثل الأمطار الغزيرة والأخاديد الجويَّة وجريان الأودية، تُمثِّل تحدِّيًا حقيقيًّا يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمعرفة بطبيعتها وآثارها على الإنسان والممتلكات والبنية الأساسيَّة، كما تتطلب مسألة التعامل مع هذه الحالات قدرًا كبيرًا من الوعي، ومستوى رفيعًا من الجاهزيَّة والاستعداد، يشمل الالتزام بإجراءات السَّلامة، وفَهْم طبيعة التحوُّلات النفْسيَّة والسلوكيَّة الَّتي قد تُصاحِب مثل هذه الظروف، واتِّخاذ خطوات استباقيَّة قائمة على التخطيط السَّليم. وهنا تتجلى قِيمة الوعي وأهميَّة هذه الثقافة الوقائيَّة في التعامل مع الأنواء المناخيَّة والحالات الطارئة في قدرة المواطن على بناء آليَّات ذاتيَّة، وفكرًا أصيلًا، وثقافة واعية، وعقيدة وطنيَّة تُعزِّز من فرص الاحتواء والحسِّ الأمني والالتزام في التعامل مع هذه الحالات. فالمواطن الواعي هو مَن يدرك خطورة عدم وضع الاعتبار أو الاهتمام لِمَا يصدر من الجهات المختصَّة، أو تعمُّده إلقاء نفْسه وأُسرته في التهلكة رغم التنبيهات المتكررة من جهات الاختصاص، أو تعمُّد وجوده في الأماكن المنخفضة، أو بطون الأودية، أو المجازفة بالعبور بمَركبته في أثناء جريانها، أو من خلال عدم إعارة الاهتمام بالدَّعوات حَوْلَ أهميَّة التزامه بالبقاء في المنزل عند اشتداد الحالة الجويَّة، وتجنُّب الخروج إلَّا للضرورة.
وتتَّسع مسألة الوعي في التعامل مع الأنواء المناخيَّة والحالات الجويَّة ليشملَ هذا الوعي الحرص على اتِّخاذ الاحتياطات الوقائيَّة الَّتي تحمي حقوقه أو تجنِّبه من المساءلة القانونيَّة، مثل تأمين الممتلكات، والتعامل بحذر مع المواد غير الثابتة أو التسبُّب في عدم تثبيتها، أو كذلك في عدم إيجاد الحواجز الَّتي تمنع من دخول الأطفال إلى الأحواض وبِرك السباحة، أو تغطية الحُفر العميقة والآبار الَّتي قد يكُونُ سببًا في وجودها، وغيرها من الأمور ذات الصِّلة، أو كذلك ما يتعلق بعدم مراعاة شروط السَّلامة أثناء القيادة، والسُّرعة في الطُّرقات في أثناء نزول الأمطار. وهي ممارسات باتتْ تضع صاحبها أمام مساءلة قانونيَّة وضبطيَّة يعاقب عليها القانون، وتغييبها من الإدراك الحسِّي والفكري أو تعاطيها بما ستسبب في الضرر يعكس مستوى من عدم المبالاة وغياب المسؤوليَّة. كما يتَّسع الوعي لِيشملَ القدرة على ضبط الانفعالات، والتعامل مع الظروف بهدوء واتزان، بعيدًا عن الخوف أو الهلع أو التصرفات العشوائيَّة. انطلاقًا من أنَّ إدارة المشاعر في الأزمات والحالات الطارئة تُعَدُّ جزءًا أساسًا من إدارة الأزمة نفْسها، إذ تُسهم في تقليل الآثار النفْسيَّة، وتساعد على اتِّخاذ قرارات أكثر حكمةً وفعاليَّة. وهنا يأتي دَوْر الأُسرة ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي والمؤسَّسات التعليميَّة والإعلام في تعزيز هذا الوعي، من خلال توجيه الأبناء، ومراقبة سلوكيَّاتهم، ومنعهم من الانخراط في ممارسات خطرة، مثل الدخول أو السباحة في الأودية أثناء جريانها، أو الخروج في أوقات الخطر. كما تُسهم في غرس قِيَم المسؤوليَّة والانضباط، وتعزيز ثقافة الوقاية؛ كونها تُمثِّل جوهر الوعي في التعامل مع مثل هذه الظروف؛ فهي تَقُوم على مبدأ تجنُّب الخطر قَبل وقوعه، وتقليل آثاره في حال حدوثه، لِتشكِّلَ نمط حياة يوميًّا يعكس وعيًا مستمرًّا واستعدادًا دائمًا.
على أنَّ المتتبع لِمَا تَقُوم به الجهات الأمنيَّة والعسكريَّة والمَدنيَّة بكافَّة تخصُّصاتها ومسؤوليَّاتها واختصاصاتها وقربها من الحالة الجويَّة من جهود نوعيَّة توعويَّة وتثقيفيَّة، ودعم وإسناد في إطار عمل المركز الوطني لإدارة الحالات الطارئة، يؤسِّس لمرحلةٍ متقدِّمة من ترسيخ هذا الوعي الجمعي وإعادة إنتاجه في سلوك المواطن والمُقِيم على حدٍّ سواء، وتعظيم أثَره في الممارسة القبليَّة والبعديَّة وفي أثناء الحالة الجويَّة، من خلال ما تقدِّمه من برامج توعويَّة وإرشادات مستمرَّة، إضافة إلى جهودها في الرصد والمتابعة والتدخل عند الحاجة، ليجسِّدَ هذا التكامل في طبيعة الدَّوْر ما سَعَتْ إليه سلطنة عُمان من إنشاء منظومة متكاملة لإدارة الحالات الطارئة، بما يَضْمن كفاءة الأداء وجاهزيَّة الأدوات وسرعة الاستجابة حماية الأرواح والممتلكات.
من هنا فإنَّ نجاح هذه المنظومة يعتمد بشكل كبير على مدى تجاوب المُجتمع معها، والتزامه بتوجيهاتها. وعندها ينتقل المواطن من دَوْر المتلقي والمنتظر للتعليمات إلى كونه شريكًا أساسًا في إدارة الأزمة، يتحمل مسؤوليَّة قراراته وسلوكيَّاته، ويؤثِّر بشكلٍ مباشر في مستوى الأمان الَّذي يعيشه، فمثلًا تبرز مُشْكلة الشائعات والمعلومات غير الموثوقة، الَّتي تنتشر عَبْرَ وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصًا في أوقات الأزمات، حيثُ يلجأ البعض إلى تداول أخبار غير دقيقة، أو تضخيم الأحداث، أو تقديم أنْفُسهم كمصادر للمعلومة، وهو ما يؤدي إلى إرباك المُجتمع، وإضعاف الثقة بالمصادر الرسميَّة. ومن هنا، فإنَّ أحد أهم مظاهر الوعي هو الالتزام بالحصول على المعلومات من الجهات الرسميَّة فقط، وتجنُّب نَشْر أو تداول أيِّ خبر غير موثوق.
أخيرًا، فإنَّ وعي المواطن القوَّة الناعمة الَّتي تصنع الفارق في أوقات الأزمات، وتحدِّد مسار التعامل معها، فكُلَّما كان المواطن والمُقِيم أكثر وعيًا، كان المُجتمع أكثر أمانًا، وكانتِ الخسائر في الأرواح والممتلكات أقلَّ، وكانتِ القدرة على التعافي أكبر. ويبقى ما تشهده سلطنة عُمان اليوم من حالة جويَّة استثنائيَّة كما أنَّه فرصة في ارتفاع منسوب المياه في السدود والمياه الجوفيَّة، فإنَّه في الوقت نفْسه يُمثِّل فرصة حقيقيَّة لتعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة الوقاية، وبناء نموذج مُجتمعي قائم على المسؤوليَّة والتعاون مع الجهات المختصَّة، وتفهم طبيعة عملها، وتقدير جهودها، بما يُعزِّز من الثقة المتبادلة، ويسهل عمليَّات الاستجابة، فإنَّ على المواطن في ظل هذه الظروف أن يلتمسَ العذر للجهات المعنيَّة في ما يحصل من إغلاق بعض الطُّرق أو تأخير عودة بعض الخدمات وانقِطاع الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات، بما يُمثِّله هذا الانتظار والحكمة في تفهُّم هذا الأمر واتِّخاذ موقف إيجابي منه قائم على التفاؤل والصبر لا التذمُّر وسرعة إطلاق الأحكام، منطلقًا لترجمة هذا الوعي وتعظيم أثره في حياة الفرد والمُجتمع.
د.رجب بن علي العويسي