الأربعاء 25 مارس 2026 م - 6 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

من الملاذ الآمن إلى أداة للسيولة: هل انتهى دور الذهب كملاذ آمن؟

من الملاذ الآمن إلى أداة للسيولة: هل انتهى دور الذهب كملاذ آمن؟
الثلاثاء - 24 مارس 2026 04:48 ص

د. يوسف بن خميس المبسلي

70


في ظلِّ تسارع التحوُّلات الاقتصاديَّة وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق العالميَّة، يواصل الذهب ترسيخ مكانته كأحد أهم الأصول الآمنة. فعلى مرِّ العقود، لم يكُنِ الذهب مجرَّد معدن ثمين، بل شكَّل أداة استراتيجيَّة للتحوُّط ضدَّ التقلُّبات الحادَّة، خصوصًا في أوقات الأزمات الماليَّة والتوتُّرات الجيوسياسيَّة.

ويتميَّز الذهب بقدرته الفريدة على الحفاظ على قِيمته، لا سِيَّما خلال فترات التضخم وارتفاع معدَّلات المخاطر الاقتصاديَّة، الأمر الَّذي يجعله خيارًا مفضَّلًا لدى الأفراد والمؤسَّسات على حدٍّ سواء. ومع ذلك، فإنَّ سوق الذهب لا يخلو من التقلُّبات، إذ تتأثر أسعاره بعددٍ من العوامل المتداخلة، أبرزها توازنات العَرض والطلب، ومستويات الاستقرار الاقتصادي، إلى جانب التطوُّرات السياسيَّة العالميَّة.

وقد برزتْ أهميَّة الذهب بشكلٍ لافت منذ جائحة كورونا عام 2020، حيثُ سجَّل ارتفاعًا ملحوظًا في قِيمته، محققًا مكاسب قاربت (40%)، مدفوعًا بإقبال المستثمرين على الأُصول الآمنة. واستمرَّ هذا الزَّخم خلال السنوات الماضية؛ إذ ارتفع سعر الأونصة من نَحْوِ (1,700) دولار في مطلع عام 2023، ومع تصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًّا، سجَّل الذهب قفزات غير مسبوقة، متجاوزًا مستوى (4,500) دولار للأونصة في ديسمبر 2025، بدعم من زيادة ملحوظة في مشتريات البنوك المركزيَّة حَوْلَ العالم، الَّتي سَعَتْ إلى تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على الدولار الأميركي، في ظلِّ تحوُّلات متسارعة في موازين القوى الاقتصاديَّة العالميَّة.

وواصلَ الذهب مساره الصاعد ليبلغَ ذروته التاريخيَّة في يناير 2026 عند نَحْوِ (5,600) دولار للأونصة، قَبل أن يدخلَ في موجة تصحيح حادَّة مع تصاعُد التوتُّرات العسكريَّة الدوليَّة، فقد تراجعت أسعار الذهب بنسبة تقارب (11.2%)، مسجِّلةً أسوأ أداء منذ عام 2011، ليستقرَّ سعر الأونصة عند حدود (4,300) دولار في الـ(23) من مارس 2026، في ظلَّ استمرار التوتُّرات الاقتصاديَّة العالميَّة وتذبذب الأسواق الماليَّة مدفوعة بتصاعد حدَّة الصراع بَيْنَ «إسرائيل» والولايات المُتَّحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وعلى الرغم من أنَّ التوتُّرات الجيوسياسيَّة، وما يصاحبها من مخاوف تتعلق بإمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، تدفع عادةً نَحْوَ زيادة الطلب على الذهب، فإنَّ الأسواق خالفتْ هذا التوقُّع، حيثُ شهد المعدن النَّفيس موجة هبوط ملحوظة. ويُعزى ذلك جزئيًّا إلى عمليًّات جني الأرباح بعد موجة صعود قويَّة ذات طابع مضاربي، إلى جانب تغيُّر سياسات بعض الدول؛ إذ تحوَّلت بولندا، الَّتي كانت من أكبر المشترين للذهب في 2025، إلى بائع، في حين علَّقت روسيا عمليَّات شراء وبيع الذهب والعملات الأجنبيَّة في السوق المحليَّة. ويعكس هذا الأداء المتقلِّب للذهب حساسيَّة هذا السوق لتغيُّر سُلوك المستثمرين والسياسات النقديَّة العالميَّة، ممَّا يؤكِّد أنَّ الذهب، رغم كونه ملاذًا آمنًا، لا يخلو من دَوْرات صعود وهبوط تحكمها معادلات اقتصاديَّة معقَّدة.

ولعلَّ من أبرز الأسباب الَّتي قادت هذا التحوُّل في أداء الذهب منها مرتبط بحركة الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركيَّة. فمع تصاعد التوتُّرات، ارتفعت عوائد السندات الأميركيَّة إلى نَحْوِ (4.39%)، في وقت عزَّز فيه الدولار موقعه كملاذ أكثر سيولة وجاذبيَّة. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكلفة الاحتفاظ بالذهب؛ كونه أصلًا لا يدرُّ عائدًا، ما دفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثماريَّة نَحْوَ أدوات ماليَّة توفِّر دخلًا ثابتًا، خصوصًا في بيئة تتَّسم بارتفاع أسعار الفائدة.

ومن جانب آخر، فيتمثل في قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دُونَ تغيير، وهو ما أسْهَم في تعزيز قوَّة الدولار الأميركي وتقليص جاذبيَّة الذهب كملاذ آمن. ففي مثل هذه الظروف، يميل المستثمرون إلى الأصول المقوَّمة بالدولار ذات العوائد المرتفعة والسيولة العالية، ما يمنح العملة الأميركيَّة أفضليَّة واضحة على الذهب. وعندما تتسارع المخاطر، لا يتَّجه المستثمرون دائمًا إلى الذهب، بل يفضِّل كثير منهم الأصول الأكثر سهولة في التسييل، وهو ما أسْهَم في تقليص جانب كبير من الطلب التحوُّطي الَّذي كان يُفترض أن يتَّجهَ نَحْوَ المعدن النفيس.

ونتيجة لذلك، فقَدَ الذهب جزءًا من بريقه، متراجعًا عن مستوياته القياسيَّة رغم استمرار التوتُّرات الجيوسياسيَّة. وقد أسْهَمتْ تطوُّرات المشهد في منطقة الخليج، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز، في تعقيد هذه الديناميكيَّة؛ إذ يُعد المضيق شريانًا حيويًّا يمرُّ عَبْرَه نَحْوُ (20%) من إمدادات النفط العالميَّة يوميًّا. وأيّ اضطراب في هذه المنطقة لا يؤدي فقط إلى ارتفاع أسعار النفط، بل ينعكس أيضًا على تدفُّقات الإيرادات للدول الَّتي تُعَدُّ من أبرز المشترين للذهب. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط يُعزِّز توقُّعات التضخم، ومع تصاعد هذه التوقُّعات تتراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة، الأمر الَّذي يُشكِّل ضغطًا إضافيًّا على الذهب، ويحدُّ من قدرته على الاستمرار كملاذ آمن في المدى القصير.

وفي خضم هذه التحوُّلات المتسارعة، يتضح أنَّ الحرب الحاليَّة والتوتُّرات الجيوسياسيَّة، إلى جانب العوامل الاقتصاديَّة والنقديَّة، قد أسْهَمتْ بشكلٍ مباشر في إحداث تراجع حادٍّ في أسعار الذهب، في مشهد بدا مخالفًا للتوقُّعات التقليديَّة. فلم يَعُدِ الذهب مجرَّد ملاذ آمن يُقبل عليه المستثمرون في أوقات الأزمات، بل تحوَّل في لحظات معيَّنة إلى أصلٍ يُباع لتأمين السيولة، وهو ما حدَّ من الدَّعم الَّذي كان من المفترض أن يتلقاه بفعل تلك التوتُّرات.

ومع ذلك، فإنَّ هذه التراجعات لا تعكس بالضرورة نهاية دَوْر المعدن النَّفيس، بل قد تُمثِّل مرحلة تصحيح ضِمن دَوْرة أوسع. فمع استمرار حالة عدم اليقين العالمي، وتصاعد المخاطر المرتبطة بالطاقة والتضخم والسياسات النقديَّة، تبقى التوقُّعات مفتوحة أمام عودة الذهب إلى مسار صاعد في المستقبل. وعليه، يظلُّ المعدن الأصفر حاضرًا في قلب المشهد الاستثماري، كأصلٍ استراتيجي يعاود بريقه كُلَّما اشتدَّتِ الأزمات وتعقَّدتِ التوازنات الاقتصاديَّة العالميَّة.

د. يوسف بن خميس المبسلي

كاتب وأكاديمي عماني