الثلاثاء 24 مارس 2026 م - 5 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

عندما يتحول الاستقرار إلى قيد خفي

عندما يتحول الاستقرار إلى قيد خفي
الثلاثاء - 24 مارس 2026 04:44 ص

إبراهيم بدوي


لَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسان فِي كَبَدٍ…

كُلَّما تأمَّل الإنسان هذه الآية أدرَك أنَّها لا تَصِف الحياة بقدر ما تكشف طبيعة الإنسان وطبيعتها، حيثُ لا وجود لمسار خالٍ من السَّعي أو التوتُّر، ومع ذلك يظلُّ الاتِّجاه الأكثر إغراءً لمُعْظم البشر، هو البحث عن الاستقرار بوصفه نهاية الرحلة، فتختزل الحياة في صورة تبدو مكتملة، مثل عمل ثابت، دخل يُمكِن التنبؤ به، يوم يُشبه ما قَبله، ونمط حياة هادئ لا يحمل مفاجآت، وهو تصوُّر صنعه مُعْظمنا لنفْسه؛ لِيكُونَ نقطة الوصول الَّتي ينبغي التمسُّك بها، غير أنَّ هذه الصورة ـ على قدر ما تبدو مريحة ـ تحمل في داخلها مفارقة صامتة، حيثُ يتحول التكرار إلى نمط يستهلك الإحساس تدريجيًّا، ويتراجع الحماس دُونَ سببٍ واضح، وهو ما تفسِّره دراسات عِلم النفْس عَبْرَ مفاهيم مثل التكيُّف المتعاقب، حيثُ يعتاد الإنسان على مستوى معيَّن من الراحة فيفقد تأثيره مع الوقت، إلى جانب ما يُعرف بظاهرة الاحتراق البارد الناتج عن غياب التحدِّي والمعنى، فتظهر حالات من الاكتئاب الخفيف، والقلق المزمن، والشعور بالفراغ، وهي اضطرابات تنشأ من استقرار ممتدٍّ أكثر ممَّا تنشأ من أزمات حادَّة.

عند هذه النقطة لا يعود السؤال متعلقًا بتحقيق الاستقرار، لكن بطبيعته ذاتها، وهل يُمثِّل حالة توازن حقيقيَّة؟ أم يتحول إلى شكلٍ ناعم من الثبات الَّذي يبدو هادئًا في الظاهر، بَيْنَما يخفي في داخله حركة تآكل لا ترى؟ وإذا كان الاستقرار قد يخفي داخله بذور الجمود، فإنَّ الخطر الحقيقي يكمن في ما يحدُث ببطء داخل الصورة، حيثُ يأتي التراجع في صورة استنزاف هادئ يتسلل دُونَ ضجيج، فمع الوقت، تتراجع القدرة على المبادرة، وتُؤجل الخطوات الَّتي كانت تبدو ضروريَّة، ويتحول الطموح إلى أفكار مؤجَّلة بلا موعد واضح، بَيْنَما يعتاد الإنسان على الإيقاع البطيء حتَّى يفقد الإحساس بأنَّه يفقد شيئًا في الأساس، فهذا النَّوع من الاستنزاف لا يلفت الانتباه؛ لأنَّه لا يرتبط بألَمٍ مباشر أو حدَثٍ صادم، وإنَّما يتشكل في منطقة رماديَّة بَيْنَ الرضا والجمود، حيثُ يبدو كُلُّ شيء مستقرًّا، بَيْنَما تتآكل الدوافع تدريجيًّا، وتفسِّر الأدبيَّات النفسيَّة هذه الحالة بما يُعرف بفقدان المعنى التدريجي، كما ترتبط في كثير من الأحيان بظهور ما يعرف بأزمة منتصف العمر، حين يبدأ الإنسان في مراجعة مساره بعد سنوات من الاستقرار الظاهري، لِيكتشفَ فجوة بَيْنَ ما عاشه وما كان يتصور أن يعيشَه، إلى جانب حالات أخرى مثل الاكتئاب الخفيف، والقلق المزمن، والشعور بالفراغ، وهي اضطرابات تنشأ من نمط ممتدٍّ يفتقر إلى التحدِّي والمعنى، وعند هذه النقطة، يكُونُ التحدِّي في إدراك أنَّ غياب الأزمات لا يعني بالضرورة حضور الحياة، وأنَّ أخطر ما يُمكِن أن يمرَّ به الإنسان، أن يستمرَّ... دُونَ أن يتقدم.

إذا كان الاستنزاف الصَّامت يمرُّ دُونَ أن يلاحظَ، فإنَّ ما يمنحه القدرة على الاستمرار هو تلك المهارة الَّتي طالما اعتبرت من أهم نقاط قوَّة الإنسان، وهي القدرة على التكيُّف؛ فالتكيُّف في صورته الإيجابيَّة يعني المرونة والقدرة على الاستمرار رغم الضغوط، لكنَّه في مسارات أخرى يتحول إلى آليَّة ناعمة لتبرير البقاء في أوضاع لا تعكس حقيقة ما يريده الإنسان، فمع الوقت نتعلم كيف نخفِّف من حدَّة التناقض بَيْنَ ما نعيشه وما كنَّا نطمح إليه، فنُعِيد تفسير الواقع بطريقة تجعله مقبولًا، فتظهر عبارات مألوفة تحمل في ظاهرها رضا، بَيْنَما تخفي في داخلها تنازلًا تدريجيًّا، مثل الأمور جيِّدة كما هي، أو هذا هو المتاح، لا داعي للمخاطرة، وهنا يتحول التكيُّف من استجابة واعية، إلى عمليَّة إعادة تشكيل داخليَّة تخفض سقف الطموح، وتُعِيد تعريف الرضا على مقاس الواقع، وتُشير بعض القراءات النفسيَّة إلى أنَّ هذا النمط يرتبط بما يُعرف بالتنافر المعرفي، حيثُ يسعى الإنسان إلى تقليل التوتُّر الناتج عن التناقض بَيْنَ قناعاته وواقعه، فيختار تعديل قناعاته بدلًا من تغيير واقعه، فيحصل على راحة مؤقتة، لكنَّها تعمِّق الفجوة على المدى الطويل، وهنا يتجلى أحد أكثر أشكال الفقد هدوءًا، حين يخسر الإنسان تدريجيًّا صورته الَّتي كان يراها لنفْسه، وعند هذه المرحلة، لنتساءل: إلى أيِّ مدى يُمكِن أن يتحول التكيُّف إلى شكل متطور من التنازل، يبقي الإنسان في المكان نفْسه... بَيْنَما يقنعه أنَّه بخير؟

عند تلك المرحلة يصبح الاستمرار في النمط نفْسه قرارًا ضمنيًّا بقَبول التراجع، ويدرك الإنسان أنَّ الخروج من دائرة الراحة لا يعني القفز إلى المجهول، لكنَّه يعني استعادة القدرة على الحركة، فالتغيير لا يرتبط دائمًا بقرارات جذريَّة أو تحوُّلات كبيرة، وإنَّما يبدأ بخطوة صغيرة تُعِيد الإحساس بالحياة، وتجربة مختلفة، قرار مؤجل، أو حتَّى مراجعة صادقة لِمَا تمَّ تأجيله طويلًا، أو يفرض عليك كما حدَث معي فمن خلال تجربة ذاتيَّة، لم يكُنِ التغيير خيارًا، لكنَّه أضحى ضرورة فرضتها التحوُّلات، فبعد سنوات امتدَّتْ لِمَا يقارب عقدين في العمل الصحفي، جاءت لحظة لم يَعُدْ فيها المسار القديم قادرًا على الاستمرار بنفْس الشكل، فكان التحوُّل إلى مجالات لم تكُنْ مطروحة من قَبل، والدخول في أعمال حرَّة لم يَدُرْ في ذهني يومًا أنَّني سأعمل بها، ثم الانتقال بعد تجاوز منتصف الأربعين إلى مجال تطوير الأعمال في قِطاع لم أكُنْ أعرف عنه شيئًا قَبل سنوات قليلة. صحيح أنَّه تجربة لم تكُنْ سهلة في بدايتها، لكنَّها كشفت أنَّ التغيير أحد أبواب الرضا، حين يجد الإنسان نفْسه مضطرًّا لإعادة اكتشاف قدراته خارج المسارات الَّتي اعتادها، ليتأكد أنَّ التغيير يبدأ من الداخل قَبل أن ينعكس على الواقع، وأنَّ البقاء في المكان نفْسه ـ رغم إدراك الحاجة إلى التحرك ـ لا يرتبط بالظروف بقدر ما يرتبط بقرار مؤجل. فرغم أنَّ الظروف كانت العامل الَّذي دفع إلى هذا التغيير الدراماتيكي، فإنَّ النتيجة لم تكُنْ فقدانًا بقدر ما كانت اكتشافًا، حيثُ كشف التحوُّل عن مساحات لم تكُنْ مرئيَّة من قَبل، وصنع تجربة مختلفة في مسار لم يكُنْ متوقعًا. ومن هنا يُمكِن القول إنَّ التغيير لا يرتبط بعمر محدَّدٍ ولا بمرحلة بِعَيْنِها، فهو يظلُّ ممكنًا في كُلِّ وقت، لكُلِّ مَن يملك الشجاعة لبدء خطوة جديدة، فسُنن الحياة لا تتوقف عند نقطة، وسنَّة التغيير تظلُّ واحدة من القوانين الَّتي تحكم مسار الإنسان، سواء أدركها مبكرًا أو تأخر في اكتشافها.

إبراهيم بدوي

[email protected]