دمشق ـ «الوطن»:
صدر حديثا عن دار (خطوط وظلال) للنشر والتوزيع والترجمة، للباحث والناقد الجمالي إبراهيم الحَيْسن كتاب (التشكيل العربي المعاصر: جماليات تراثية)، في 366 صفحة من القطع المتوسط. يطرح هذا العمل تساؤلات جوهرية تمس صلب الهوية البصرية العربية، متسائلاً عن المرجعيات التراثية والرهانات الإبداعية التي أسس عليها الفن التشكيلي العربي المعاصر أبنيته الجمالية، والتي رسمت خلال حقبة إبداعية إشراقية سمات هويتنا البصرية المشتركة. ومن هذا المنطلق، يبحث الحَيْسن في مدى قدرة الفنانين العرب على حماية الجذور المقعّدة لمنجزهم التشكيلي المهدد بالهدر والتمزيق والاختراق القيمي، مستنكراً تفريط البعض في الموروث الجمالي العربي الإسلامي من عمارة وخطوط ورقش ومنمنمات، بعدما نأوا عن التراث الشعبي الذي شكل يوماً سنداً مرجعياً للأصالة والخصوصية.
وفي المقابل، يرصد الكتاب نجاح تجارب رائدة في خلق لغة تشكيلية حافظت على جوهر التراث وقدمته بصورة حية وبأسلوب حداثي استند إلى (المعايشة الجمالية) والحوار المتجدد. فالتراث هنا لا يُستعاد بوصفه زخرفة جامدة، بل بوصفه منهجاً في الرؤية، وفعل ذاكرة حية تحول الماضي من حنين متحفي إلى طاقة خلاقة. هذا السعي كان محاولة جادة للتحرر من الأساليب الاستشراقية وتأسيس فلسفة تشكيلية تستمد مشروعيتها من الذات الثقافية ومن الواقع المعيش. يمضي الكتاب في تحليل هذه العلاقة عبر مسارات متداخلة، تبدأ ببحث الجدلية التفاضلية بين الفن والتراث وسعي الحركات التشكيلية لإثبات الذات إبّان وبعد فترة الاستعمار. ويتوسع الحَيْسن في دراسة الجماعات الفنية الكبرى (كجماعة بغداد ومدرسة تونس والدار البيضاء) التي جعلت من العودة للجذور مشروعاً فكرياً متكاملاً، مع التركيز على (الحروفية) التي حوّلت الحرف العربي إلى مفردة تشكيلية وقيمة جمالية مجردة تتجاوز دلالاته اللغوية.