الاثنين 23 مارس 2026 م - 4 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : العيد .. الأمل الَّذي لا يموت

أضواء كاشفة : العيد .. الأمل الَّذي لا يموت
الاثنين - 23 مارس 2026 05:22 ص

ناصر بن سالم اليحمدي


بأيِّ حال عدتَ يا عيد؟.. سؤال ردَّده الشعراء عَبْرَ العصور ولكنَّه يَعُود اليوم أكثر وجعًا وصدقًا حين طرَق العيد أبواب عالم أنهكته الحروب وأثقلت أيَّامه أخبار الفقد والدمار.. أتى العيد في موعده كما اعتاد لكنَّ الطُّرقات الَّتي يسير فيها لم تَعُدْ كما كانت، والوجوه الَّتي يستقبلها لم تَعُدْ كُلُّها تحمل ذات البهجة القديمة.

في زمن السَّلام.. كان العيد عيديْنِ.. الأول في البيوت والثاني في القلوب.. وكانت الأزقة تمتلئ بالضحكات وتتعالى أصوات الأطفال وهم يركضون بثيابهم الجديدة بَيْنَما تمتدُّ الموائد عامرة بالمَحبَّة قَبل الطعام.. أمَّا اليوم وفي ظل الحروب الَّتي مزَّقتْ مُدنًا وأوطانًا صار العيد يمرُّ على بيوت كثيرة وقد غاب عنها صوت كان يملؤها حياة أو كرسي بقيَ فارغًا ينتظر صاحبه الَّذي لن يَعُودَ.

ومع ذلك فإنَّ العيد لا يعرف الاستسلام.. فالعيد في جوهره ليس مجرَّد يوم في التقويم ولا طقسًا اجتماعيًّا يتكرر كُلَّ عام، بل هو فكرة عميقة في روح الإنسان.. فكرة أنَّ الفرح ممكن حتَّى بعد الحزن، وأنَّ الحياة قادرة على أن تبدأَ من جديد مهما اشتدَّتِ العواصف.

في زمن الحروب تتغير ملامح العيد، لكنَّه لا يختفي.. قد يصبح أكثر هدوءًا وأقلَّ ضجيجًا ورُبَّما أكثر تأملًا، لكنَّه يبقى حاضرًا.. ترى الناس يتبادلون التهاني بنبرة تختلط فيها البسمة بالحزن وكأنَّهم يقولون لبعضهم بعضًا ما زلنا هنا وما زلنا نحاول أن نحيا رغم كُلِّ شيء.. فكم من أُمٍّ تستقبل صباح العيد بالدعاء قَبل الفرح، وكم من طفل يتعلم باكرًا أنَّ العيد ليس فقط ألعابًا وحلوى، بل لحظة يتمنى فيها العالم أن يُصبحَ مكانًا أكثر رحمة.. وفي هذه اللحظات يتحول العيد إلى رسالة إنسانيَّة صامتة أنَّ الإنسان مهما أثقلته المآسي لا يفقد قدرته على التمسُّك بالأمل.

الحروب قد تغيِّر شكل المُدن وقد تترك في الجدران آثارًا من الألم لكنَّها لا تستطيع أن تغيِّرَ جوهر الروح البشريَّة.. فكُلَّما اشتد الظلام ازداد الإنسان بحثًا عن الضوء.. والعيد هو أحد تلك الأضواء الصغيرة الَّتي تلمع في عتمة الأيَّام.. وليس من السهل أن يأتيَ العيد إلى أرض تسمع فيها أصوات القلق أكثر من أصوات الفرح لكنَّه يأتي رغم ذلك.. يمرُّ على البيوت البسيطة الَّتي تحاول أن تصنعَ فرحتها بما تملك وعلى القلوب الَّتي تؤمن بأنَّ الغد يُمكِن أن يكُونَ أفضل من الأمس.

في مثل هذه الظروف يُصبح العيد شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة.. فحين يبتسم الناس رغم الجراح، وحين يصرُّ الأطفال على اللعب، وحين تتصافح الأيدي وتتبادل التهاني.. فإنَّهم في الحقيقة يعلنون انتصار الحياة على اليأس وكأنَّهم يقولون للعالم إنَّ الحرب قد تأخذ الكثير، لكنَّها لن تأخذَ القدرة على الحلم.

ولعلَّ أجمل ما في العيد أنَّه يذكِّر الإنسان بمعناه الحقيقي المتمثل في الرحمة والتكافل والشعور بالآخرين.. ففي زمن الشدائد يصبح العطاء أكثر قِيمة، وتُصبح الكلمة الطيِّبة أكثر دفئًا ويُصبح التضامن بَيْنَ الناس جسرًا يَعْبرون به فوق آلامهم المشتركة.

إنَّ العيد في زمن الحروب لا يأتي كما كان، لكنَّه يأتي بما هو أعمق.. يأتي لِيقولَ إنَّ الفرح قد يتأخر لكنَّه لا يموت.. يأتي ليذكِّرَ القلوب المتعبة بأنَّ الليل مهما طال لا بُدَّ أن يعقبَه فجر.. لذلك حين نسأل: بأيِّ حال عدتَ يا عيد؟

رُبَّما يكُونُ الجواب عدتُ حاملًا ما بقيَ في القلوب من نور، وجئتُ لأحرسَ آخر ما تبقَّى من الأمل.. فالعيد في النهاية ليس يومًا عابرًا، بل وعد متجدِّد بأنَّ الحياة أقوى من الحرب، وأنَّ الإنسان سيظلُّ يبحث عن السَّلام حتَّى يجدَه.. وسيظلُّ العيد يطرق الأبواب عامًا بعد عام حتَّى في أكثر الأزمنة قسوةً لأنَّ الأمل الَّذي يحمله لا يعرف الموت.

وهكذا يبقى العيد شعلة صغيرة في قلب العالم قد تضعف أحيانًا لكنَّها لا تنطفئ.. وما دام في الإنسان قلب ينبض وروح تؤمن بالغد فسيظلُّ العيد يَعُود دائمًا حاملًا معه الأمل الَّذي لا يموت.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني