الاثنين 23 مارس 2026 م - 4 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : مكتبة عُمان الوطنية.. صون الذاكرة الثقافية وتعزيز اقتصاد المعرفة

في العمق : مكتبة عُمان الوطنية.. صون الذاكرة الثقافية وتعزيز اقتصاد المعرفة
الاثنين - 23 مارس 2026 04:30 ص

د.رجب بن علي العويسي

أصدر حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ مرسومًا سلطانيًّا رقم (36/2026) بإنشاء مكتبة عُمان الوطنيَّة وإصدار نظامها؛ باعتبارها مرجعيَّة وطنيَّة تُعْنى بإيداع المصنفات العُمانيَّة، وجمع وتنظيم وإتاحة النتاج الفكري المتصل بسلطنة عُمان، بما يسهم في صون الذاكرة الوطنيَّة وتعزيز الهُوِيَّة الثقافيَّة. وتهدف المكتبة إلى حفظ الإرث الفكري العُماني، وبناء مرجع وطني موثَّق يجمع ما نُشر عن سلطنة عُمان داخلها وخارجها، إلى جانب دعم التعليم والتعلم والبحث العلمي، وتوفير بيئة معرفيَّة حاضنة للإبداع الثقافي والفكري.

وتضم المكتبة مجموعة متكاملة من المصادر المتعلقة بعُمان، تشمل الإصدارات والمصنفات والمطبوعات الحكوميَّة، والرسائل العلميَّة الجامعيَّة، إلى جانب أقسام متخصِّصة في مختلف مجالات المعرفة، ومكتبة موجهة للطفل، بما يُعزِّز حضور المعرفة لدى مختلف فئات المُجتمع. ويقع مقر المكتبة في مجمَّع السيِّد طارق بن تيمور الثقافي بمدينة العرفان في محافظة مسقط، لِتكُونَ مركزًا ثقافيًّا ومعرفيًّا متكاملًا، وحاضنة للنشء عَبْرَ برامج مخصَّصة تربط الأجيال بهُوِيَّتهم الثقافيَّة العُمانيَّة، وتعمِّق إدراكهم بتاريخ وطنهم وإسهامات علمائه ومفكِّريه. كما تُمثِّل المكتبة أرشيفًا رقميًّا وطنيًّا يوثِّق المؤتمرات والإصدارات الرسميَّة والرسائل الجامعيَّة في منصَّة واحدة، بما يسهل الوصول إلى المعرفة، ويوفِّر قاعدة بيانات علميَّة موثوقة للباحثين والمهتمين.

إنَّ إنشاء مكتبة عُمان الوطنيَّة يُمثِّل خطوة استراتيجيَّة مهمَّة في مسار بناء مُجتمع المعرفة في سلطنة عُمان، ويعكس إدراكًا عميقًا لِدَوْر الثقافة والمعرفة في صناعة المستقبل. فالمكتبة الوطنيَّة ليست مجرَّد مؤسَّسة لحفظ الكتب أو تنظيم المصادر المعرفيَّة، بل هي منصَّة حضاريَّة قادرة على توظيف الرصيد الفكري والثقافي العُماني في خدمة التنمية الشاملة، وتعزيز حضور الثقافة في مختلف مجالات الحياة.

ولعلَّ من أبرز الموجّهات الَّتي تعمل مكتبة عُمان الوطنيَّة على تحقيقها؛ صون الذاكرة الوطنيَّة وتوثيق التاريخ الفكري والعلمي للسَّلطنة. فالمكتبة، بما تضمُّه من مخطوطات ومؤلَّفات ودراسات وإصدارات حكوميَّة ورسائل جامعيَّة، تُمثِّل أرشيفًا حيًّا يوثِّق مَسيرة المُجتمع العُماني عَبْرَ العصور، ويمنح الباحثين والدارسين مرجعًا موثوقًا يُمكِن البناء عليه في الدراسات التاريخيَّة والثقافيَّة والعلميَّة. كما أنَّ هذه المكتبة توفِّر فرصة مهمَّة لإعادة قراءة الإرث الحضاري العلمي والمعرفي العُماني وإبرازه بصورة معاصرة، بما يُعزِّز الاعتزاز بالهُوِيَّة الوطنيَّة ويبرز إسهامات العُمانيين في مَسيرة الحضارة الإنسانيَّة. فقد عرف التاريخ العُماني حضورًا علميًّا وثقافيًّا بارزًا، خلَّد فيه العلماء العُمانيون تراثًا غنيًّا في الفِقه واللُّغة والأدب والتاريخ والطِّب والفَلك وعلوم البحار والجغرافيا وغيرها من مجالات المعرفة. ومن خلال المكتبة الوطنيَّة يُمكِن توظيف هذا التراث في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الجديدة، وربطهم بجذورهم الحضاريَّة.

ومن الجوانب الإيجابيَّة الأخرى الَّتي يُمكِن أن تُسهم بها مكتبة عُمان الوطنيَّة دَوْرها في تنشيط حركة البحث العلمي. فالمكتبة بما توفِّره من مصادر معرفيَّة متنوعة وقواعد بيانات رقميَّة وأرشيفات علميَّة متخصِّصة يُمكِن أن تكُونَ بيئة حاضنة للباحثين وطلبة الجامعات، ومركزًا لتبادل المعرفة وإنتاج الأفكار الجديدة. كما أنَّ وجود منصَّة رقميَّة موحَّدة توثِّق الرسائل الجامعيَّة والمؤتمرات والإصدارات العلميَّة يُسهم في تسهيل الوصول إلى المعرفة وتعزيز التعاون البحثي بَيْنَ المكتبة والمؤسَّسات الأكاديميَّة. ولا يقف دَوْر المكتبة عند حدود التوثيق أو البحث العلمي، بل يمتدُّ لِيشملَ بناء الإنسان وتنمية قدراته الفكريَّة والمعرفيَّة. فالمكتبة يُمكِن أن تكُونَ فضاءً تربويًّا وثقافيًّا يُسهم في تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأفراد، ويشجِّع على القراءة والبحث والاكتشاف، ويُعزِّز ثقافة الحوار والانفتاح على الأفكار المختلفة، ومن خلال البرامج الثقافيَّة والندوات وحلقات العمل ونوادي القراءة يُمكِن للمكتبة أن تتحول إلى منصَّة تفاعليَّة تجمع المثقفين والباحثين والشباب في فضاء معرفي مشترك.

كما أنَّ تخصيص مكتبة للطفل داخل مكتبة عُمان الوطنيَّة يُمثِّل خطوة إيجابيَّة في بناء جيل قارئ ومُحب للمعرفة منذ سنواته الأولى. فالطفل الَّذي ينشأ في بيئة تحفِّزه على القراءة والاكتشاف يصبح أكثر قدرة على التعلم والإبداع في المستقبل. ومن هنا يُمكِن للمكتبة أن تقدمَ برامج تعليميَّة وثقافيَّة موجَّهة للأطفال والناشئة، تُسهم في ترسيخ القِيَم الثقافيَّة والوطنيَّة وتعزيز ارتباطهم بهُوِيَّتهم العُمانيَّة.

وبالتَّالي رفع قدرة المكتبة الوطنيَّة على الاستفادة من التحوُّل الرَّقمي في توسيع دائرة الوصول إلى المعرفة؛ فالمكتبات الحديثة في عالم التقنيَّة تُمثِّل فضاءات مفتوحة خارج حدود المكان والزمان، ومنصَّة معرفيَّة رقميَّة تتيح الوصول إلى مصادرها من مختلف المواقع من داخل سلطنة عُمان ومن خارجها. وهذا التحوُّل الرَّقمي يسهم في توسيع دائرة المستفيدين من خدمات المكتبة، ويجعل المعرفة أكثر انتشارًا وتأثيرًا في المُجتمع بما يُعزِّز من ارتباطها بقواعد بيانات ومحركات بحث عالميَّة في مختلف المجالات الَّتي تهمُّ الباحثين وطلبة الدراسات العُليا. وبالتاَّلي يُمكِن للمكتبة أن توظفَ التقنيَّات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والواقع الافتراضي، في عرض المحتوى الثقافي والمعرفي بطريقة تفاعليَّة وجاذبة، بما يُسهم في جذب الشَّباب والناشئة إلى عالم المعرفة، كما يُمكِن أن تتحولَ المكتبة إلى مركز لإنتاج المحتوى الرَّقمي الثقافي، بما يُعزِّز حضور الثقافة العُمانيَّة في الفضاء الرَّقمي العالمي.

وعليه، فإنَّ إنشاء المكتبة يجسِّد موقع الثقافة في منظومة بناء الدَّولة والقرار الوطني، وتعزيز الاستثمار الاقتصادي في الثقافة والفكر عَبْرَ «اقتصاد الثقافة والمعرفة» وجهود الحكومة في تعزيز فرص التنويع الاقتصادي، حيثُ أصبح الاستثمار في المعرفة والثقافة أحد المسارات المهمَّة في بناء اقتصاد متنوع ومستدام؛ باعتبارها موردًا اقتصاديًّا واستثماريًّا واعدًا يُمكِن أن يسهمَ في دعم الاقتصاد الوطن؛ نظرًا لِمَا يُشكِّله مُجتمع المعرفة اليوم من أهميَّة في الاقتصاد العالمي، ذلك أنَّ الأصول الفكريَّة والثقافيَّة والفنيَّة غير الماديَّة تُمثِّل أحد أهم مصادر القِيمة الاقتصاديَّة في العالم المعاصر، حيثُ تشمل هذه الأصول الإنتاج الفكري والعلمي والثقافي، وما يرتبط به من عمليَّات النشر والترجمة والتسويق الثقافي والتعليم والإعلام والبحث العلمي والابتكار. فالاستثمار في الثقافة والمعرفة يُمكِن أن يحققَ عوائد اقتصاديَّة كبيرة، ويُسهمَ في تنويع مصادر الدخل الوطني.

ومن هذا المُنطلَق، فإنَّ مكتبة عُمان الوطنيَّة تُشكِّل جزءًا مهمًّا من منظومة اقتصاد المعرفة في سلطنة عُمان، من خلال دَوْرها في دعم الصناعات الثقافيَّة والإبداعيَّة، مثل النشر والترجمة وإنتاج المحتوى المعرفي، وتشجِّع الباحثين والكتَّاب والمفكِّرين على إنتاج المعرفة ونشرها، بما يُعزِّز حضور الثقافة العُمانيَّة في المشهد الثقافي العالمي، بالإضافة إلى دَوْرها في تعزيز الابتكار الفكري باعتبارها بيئة إنتاجيَّة حاضنة للفكر الواعي والفرص المجيدة وأفضل الممارسات الثقافيَّة، من خلال توفير بيئة معرفيَّة محفِّزة للأفكار الجديدة، ودعم المبادرات الثقافيَّة والعلميَّة الَّتي يَقُودها الشَّباب، انطلاقًا من أنَّ المعرفة هي الأساس الَّذي تَقُوم عليه الابتكارات العلميَّة والتكنولوجيَّة، وكُلَّما اتَّسعت قاعدة المعرفة في المُجتمع زادت فرص الإبداع والتجديد.

ومن جهة أخرى، يُمكِن قراءة مكتبة عُمان الوطنيَّة في إطار منظور شامل يتصل ببناء الإنسان وصناعة القدوات والنماذج الفكريَّة، وتنمية القدرات المعرفيَّة، ودعم صناعة القرار، وتعزيز دَوْر الأُسرة في التربية الثقافيَّة، وتنشيط حركة البحث العلمي وربطها بقضايا المُجتمع والتنمية، فإنَّ ما تضمُّه المكتبة من محتوى معرفي متنوِّع، تُمثِّل جسور اتصال تعكس أصالة الفكر العُماني، وتنوُّع مُكوِّنات الثقافة العُمانيَّة وعُمق تفاصيلها، وتُسهم في إنتاج مواطن واعٍ، متفاعل مع واقعه، مستوعب لتحوُّلات عالمه، محافِظ على قِيَمه وشخصيَّته وهُوِيَّته، وقادر على التمييز بَيْنَ المعرفة العميقة والمعلومة السطحيَّة. كما تُسهم في ترسيخ قِيَم السلام، والتعايش، والوئام، والتعاون، والتكافل، وتُعزِّز أساليب البحث والاكتشاف والتحليل، بما يحفظ لعُمان حضورها المؤثِّر في محيطها الإقليمي والدولي. أخيرًا، وفي ظل التحوُّلات العالميَّة المتسارعة، ندرك أنَّ المُجتمعات الَّتي تستثمر في المعرفة والثقافة هي الأكثر قدرة على تحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل مزدهر لشعوبها، ومن هنا جاء المرسوم السُّلطاني بإنشاء مكتبة عُمان الوطنيَّة باعتبارها مشروعًا حضاريًّا يجسِّد مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء مُجتمع معرفي متوازن، قادر على التفاعل مع مقتضيات العصر مع الحفاظ على هُوِيَّته وقِيَمه الأصيلة، ويبقى وجود المكتبة واستحضار الكِتاب خيار قوَّة في مسار التنمية الثقافيَّة في السَّلطنة، وفرصة كبيرة لتوظيف الثقافة في خدمة الإنسان والاقتصاد والمُجتمع، فمن خلال حُسن استثمارها وتفعيل أدوارها المتعددة يُمكِن أن تتحول إلى منصَّة وطنيَّة لإنتاج المعرفة وتعزيز الوعي الجمعي ودعم اقتصاد الثقافة، بما يرسِّخ مكانة عُمان الثقافيَّة والحضاريَّة في العالم، ويجعل من المعرفة الرصينة ركيزة أساسيَّة في بناء عُمان المستقبل.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]