لطالما تمنَّينا أن تكُونَ وجباتنا كوجبات جدَّاتنا المثاليَّة. خبز طازج يخبز في المنزل، أو أرز مع خضراوات محدَّدة، ووجبات بسيطة تشارك حَوْلَ مائدة العائلة. نستحضر بها تلك الصورة المشوِّقة من النَّقاء والصحَّة والتوازن. عصر ما قَبل الأطعمة فائقة المعالجة وارتفاع معدَّلات السُّمنة. لذلك هنا لا بُدَّ من طرح سؤال جوهري: هل يُمكِننا بشكلٍ حقيقي أن نعيشَ ونأكلَ كما كنَّ يعشن؟
صراحةً الإجابةُ هنا والَّتي يدعمها العِلم الحديث قد تكُونُ مختلفة ممَّا يسمح به الحنين إلى الماضي. فجدَّاتنا كانت حياتهنَّ اليوميَّة تتطلب جهدًا بدنيًّا أكبر. كنَّ يمشين لمسافات طويلة، وكنَّ بالزراعة، والأعمال المنزليَّة، وهذا أكيد تطلب بذل طاقة مستمرَّة. في المقابل، تتَّسم أنماط الحياة الحديثة بالخمول الشديد. ووفقًا لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة، يُعَدُّ الخمول البَدني الآن أحَد أهمِّ عوامل الخطر المؤدِّية إلى الوَفَيَات على مستوى العالم، خصوصًا وأنَّه يُسهم في أمراض القلب والأوعية الدمويَّة والسكَّري والسُّمنة.
بمعنى قد يتجاوز النظام الغذائي الَّذي كان يدعم إنتاج طاقة عالية احتياجاتنا الأيضيَّة اليوم. كيف لا؟ والوجبات التقليديَّة الغنيَّة بالخبز والأرز والدهون الحيوانيَّة مناسبة لنمط حياة نشط. أمَّا اليوم، فإنَّ هذه الأنماط نفْسها ـ بالإضافة إلى العمل المكتبي، وقضاء وقت طويل أمام الشَّاشات، وقلَّة النَّشاط البَدني ـ أسْهَمتْ في زيادة السّعرات الحراريَّة واضطرابات التمثيل الغذائي.
هناك أيضًا مسألة حجم الحصص الغذائيَّة وسهولة الحصول عليها. فالغذاء، الَّذي كان نادرًا وموسميًّا مثلًا في السَّابق، أصبح الآن وفيرًا ومتوافرًا باستمرار. نذكر جميعًا أنَّ جدَّاتنا كنَّ لا يتناولنَ وجبات خفيفة متواصلة طوال اليوم، بل كنَّ يتناولن وجبات منظَّمة، غالبًا ما تفصل بَيْنَها فترات طويلة من العمل البَدني. أمَّا اليوم فإنَّ تناول الطعام باستمرار ـ بالإضافة إلى الأطعمة الجاهزة عالية السّعرات الحراريَّة ـ يخلُّ بالتوازن الطبيعي الصحِّي للفرد بما في ذلك حساسيَّة الأنسولين. فالدراسات أكَّدتْ أنَّ أنماط الأكل غير المنتظمة وتناول السّعرات الحراريَّة في وقتٍ متأخر من الليل يرتبطان بزيادة مخاطر السُّمنة وداء السكَّري من النوع الثاني. وهذا ـ إن صحَّ لي القول ـ يدلُّ على أنَّ الجسم ليس حسَّاسًا لِمَا نأكله فحسب، بل أيضًا لتوقيت تناوله.
بطبيعة الحال، لا يُمكِننا ببساطة نسخ الماضي، بل يَجِبُ علينا تكييفه مع الحاضر. فعلى سبيل المثال، بَيْنَما كانت جدَّاتنا يتناولنَ الخبز يوميًّا، كان خبزهنَّ من الحبوب الكاملة ويُؤكَل باعتدال ضِمن نمط حياة نشط بدنيًّا. وهذا يعني الآن إعطاء الأولويَّة للأطعمة الكاملة واحترام إشارات الجوع والشَّبع، وبالتأكيد مواءمة السّعرات الحراريَّة المتناولة مع استهلاك الطَّاقة الفعلي!
ختامًا، ليس الهدف إعادة إحياء الماضي، بل بناء حاضر أكثر صحَّة. فالصحَّة ـ كما نَعْلم ـ مثل الزمن، تتقدم للأمام... لا للخلف!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي