الأربعاء 18 مارس 2026 م - 28 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الصحة النفسية والعقلية لدى الشباب عنصر محوري في بناء الفرد القادر على التكيّف الإيجابي

الصحة النفسية والعقلية لدى الشباب عنصر محوري في بناء الفرد القادر على التكيّف الإيجابي
الثلاثاء - 17 مارس 2026 02:08 م
10


مسقط ـ العُمانية: تُعدّ الصحة النفسية والعقلية لدى الشباب عنصرًا محوريًا في بناء الفرد القادر على التكيّف الإيجابي مع متغيرات العصر ومتطلباته المتسارعة.

ومع تداخل وتشابك السياقات الاجتماعية والثقافية، تبرز الحاجة إلى مقاربات صحية غير رياضية تهتم بالجانب النفسي من منظور وقائي وتنموي، لا علاجي فقط.

وتسهم الأنشطة الشبابية ذات الطابع النفسي في تعزيز الوعي بالذات، وتنمية مهارات التواصل، وبناء التوازن الداخلي، بما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة والصحة العامة.

وتمثل هذه الأنشطة فضاءات آمنة لإعادة تشكيل العلاقة بين الفرد وذاته والمجتمع من خلال الحوار، والتعبير، وتنمية القدرات الذهنية والانفعالية.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التركيز على مفاهيم مثل الدعم الاجتماعي، واليقظة الذهنية، وبناء المرونة النفسية، وتنمية المعنى والهدف في الحياة أهمية خاصة في دعم الصحة النفسية للشباب ضمن إطار شمولي ومستدام.

في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه فئة الشباب، برزت مجموعات الدعم والحوار كأداة حيوية لتعزيز الصحة النفسية والروابط الاجتماعية، وعن هذا الدور تحدث الدكتور حمد بن ناصر السناوي، استشاري أول ورئيس قسم الطب السلوكي بمستشفى جامعة السلطان قابوس لوكالة الأنباء العمانية قائلا :إن هذه المجموعات تشكل جسراً حقيقياً للعبور من العزلة إلى الانتماء.

ورغم الانفتاح التكنولوجي، فقد أشارت الدراسات النفسية إلى أن الشباب في الفئة العمرية (16-24 عاماً) هم الأكثر عرضة للشعور بالوحدة بنسبة تصل إلى 40%. وفي ذات السياق، أوضح السناوي بأن وسائل التواصل الاجتماعي أوجدت نوعاً من "الوحدة الرقمية"؛ حيث تسيطر العلاقات السطحية والافتراضية التي تفتقر للروابط الحقيقية، ما يضاعف الضغوط المرتبطة بالدراسة، والعمل، والمستقبل.

وتأتي أهمية مجموعات الدعم في كسر "وهم الفرادة" في المعاناة؛ حيث يكتشف الشاب من خلال الحوار أن الصعوبات التي يواجهها ليست غريبة أو فردية وهذا يقلل من حدة جلد الذات والشعور بالذنب، ويستبدله بشعور قوي بالانتماء للمجموعة التي تشاركه ذات التحديات.

ويشير الدكتور السناوي إلى أن نجاح هذه المجموعات يرتكز على قواعد صارمة تشمل: السرية التامة والاحترام المتبادل، وتجنب السخرية وتوفير بيئة خالية من الأحكام المسبقة وبناء جسور الثقة التي تسمح للشاب بالتعبير عن مخاوفه. ورأى بأن أثر هذه المجموعات لا يتوقف عند جلسات الحوار فحسب، بل يمتد لبناء هوية جماعية إيجابية. ومع مرور الوقت تتحول هذه اللقاءات إلى "شبكة دعم اجتماعي" واقعية، تمد الشباب بالدعم اللازم لاتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم المهنية والشخصية، ما ينعكس بشكل مباشر على استقرارهم النفسي وقدرتهم على مواجهة تقلبات الحياة.

وحول الانعكاسات المباشرة لهذا الانتماء، أوضح الدكتور حمد السناوي أن الشعور بالقبول داخل هذه المجموعات يعمل كدرع واق من الأمراض النفسية الشائعة فبمجرد أن يشعر الشاب بأنه "مسموع ومتقبل" تنخفض لديه حدة الأفكار السلبية تجاه ذاته وتتلاشى المخاوف الاجتماعية، ما يقلل بشكل ملحوظ من فرص الوقوع في فخ القلق والاكتئاب الناتج عن الرفض الاجتماعي.

وأشار إلى أن المجموعات الداعمة تعزز ما يعرف بـ "المرونة النفسية"؛ حيث يجد الشاب في أوقات الأزمات من يفهمه ويشاركه الخبرات، ما يمنعه من الانزلاق نحو سلوكيات مؤذية مثل الإدمان، التهور، أو الانسحاب التام من المجتمع، فكلما كانت شبكة الدعم أقوى، زادت قدرة الشاب على "النهوض بعد العثرات" واستعادة توازنه بسرعة أكبر. وتعمل هذه المجموعات كبيئة تدريبية لاكتساب مهارات حيوية، منها: التواصل الفعال والاستماع الواعي للآخرين، وإدارة الاختلاف والتعبير عن المشاعر بطريقة صحية، وتنمية مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات المصيرية.

وحدد الدكتور السناوي ثلاثة عوامل أساسية لضمان أداء هذه المجموعات لدورها في تعزيز الاستقرار النفسي منها: الإدارة الواعية وهي وجود مشرفين مُدربين على فهم سيكولوجية المجموعات وإدارة الخلافات بين الأفراد. ووضع ميثاق تعامل واضح يضمن الأمان النفسي والخصوصية فضلا عن إشراك الشباب أنفسهم في رسم خارطة طريق هذه المجموعات، ما يضمن استمراريتها وتحولها إلى مساحة مستدامة لبناء الثقة.

وأكد على أن هذه المهارات لا تمنح الشاب استقراراً نفسياً فحسب بل تمكنه من التعامل مع ضغوطات الحياة اليومية بكفاءة واقتدار، محولاً شبكة الدعم إلى منصة انطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقا.

وفي ذات السياق، بينت الأخصائية النفسية نايلة بنت ناصر الخروصية بأن الصحة النفسية أصبحت اليوم ضرورة حتمية تتجاوز الرفاهية التقليدية، ما يجعلها الأداة الأساسية لتشكيل الأفراد في التعامل مع ضغوط "عصر السرعة" وما يفرزه من تدفق معلوماتي لحظي وتحديات تكنولوجية تؤثر على الاستقرار النفسي وجودة الحياة.

ورأت بأن اليقظة الذهنية هي أحد أهم الطرق العلمية للوصول إلى التوازن النفسي، حيث تعمل على بقاء الفرد يقظا وواعيا بتفاصيل اللحظة الراهنة، بعيداً عن تشتت الأفكار بين ترسبات الماضي وقلق المستقبل، ما يمكنه من تشغيل قدراته الذهنية للتعلم والعمل بشكل فعال.

وعن تعزيز الوعي وتنظيم الانفعالات فقد أوضحت الخروصية أن ممارسة اليقظة الذهنية تلعب دوراً محورياً في قدرة الفرد على تنظيم انفعالاته وتقييم ردود أفعاله العاطفية تجاه المواقف غير المريحة بفاعلية، مشيرة إلى أن الوعي الذاتي يمنح الشخص القدرة على تمييز سلوكياته وفهم جوانب شخصيته، ما يمهد الطريق لاتخاذ خطوات واعية لتحقيق التوازن بين الجوانب الجسدية والعقلية والعاطفية.

وحول فئة الشباب، رأت الأخصائية النفسية بأن التأمل الذهني يعد وسيلة حماية من الانجراف وراء المشتتات والمنغصات الناتجة عن "إجهاد تعدد المهام"، مبينة أن استخدام تقنيات مثل الخيال الاسترخائي، أو تكرار الكلمات المهدئة، أو مراقبة الأحاسيس الجسدية، يساهم في تحرير الشباب من المؤثرات السلبية ويقلل من احتمالية الوقوع في أخطاء ناتجة عن التوتر أو النسيان مما يرفع من كفاءة أداء الأنشطة اليومية.

ونوّهت نايلة الخروصية إلى أهمية "توطين" ممارسات التأمل الذهني عند نقلها إلى المجتمع العربي، مؤكدة على إمكانية تكييف هذه التمارين مع السياقات الثقافية والاجتماعية المحلية دون المساس بجوهرها العلمي.

واقترحت إعادة صياغة مفاهيم التأمل بلغة تتسق مع القيم الدينية والأخلاقية العُمانية والعربية مثل: دمج الوعي التنفسي بلحظات روحية كالدعاء، ما يجعل الممارسة أكثر أماناً وقبولاً لدى الأفراد.

مؤكدة أهمية تقديم التأمل كأداة نفسية علمية تعزز السكينة والهدوء، مع احترام الخصوصية الدينية للمجتمع، بما يسهم في بناء مجتمع واعد ومستقر نفسياً.

وعن مدى تأثير المرونة النفسية في قدرة الشباب على مواجهة التحديات الحياتية والتغيرات فقد أكدت زهرة بنت أحمد الجامعية -مدربة التوجيه الشخصي والمهتمة بالصحة النفسية- أن المرونة النفسية تمثل ركيزة أساسية في بناء شخصية الشباب العُماني وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة، مشيرة إلى أن هذا المفهوم يتجاوز مجرد "الصمود" أمام الضغوط، ليصل إلى القدرة على التعلم والنمو المستمر وتحويل التجارب الصعبة إلى فرص حقيقية للتطوير الذاتي.

وحول "آليات بناء المرونة النفسية"، أوضحت الجامعية أن الاعتقاد السائد بأن المرونة صفة فطرية يمتلكها البعض دون الآخر هو اعتقاد غير دقيق، مشبهة إياها ب "العضلة" التي يمكن تقويتها وتمكينها من خلال التدريب والممارسة المستمرة. وترى أنه "كلما عمل الإنسان على تفعيل هذه المهارة واستخدامها في مواجهة المتغيرات، أصبحت أكثر ثباتاً وقوة"، لافتة إلى أن الحاجة لهذه المهارة أصبحت ضرورة ملحة في ظل الزخم المعلوماتي الهائل والمتغيرات المتسارعة.

وشددت على دور الأنشطة التربوية، لا سيما تلك القائمة على "المحاكاة" والعمل الجماعي، في صقل هذه المهارة لدى الناشئة والشباب مبينة بأن هذه الأنشطة توفر "مساحة آمنة" تمنح الشباب فرصة التجريب والخطأ دون خشية العواقب الواقعية، ما يتيح لهم تفاعلاً وجدانيا وسلوكيا حيا يساعدهم على إدارة الانفعالات والتعبير عن الذات بشكل متزن، وتقبل النقد البناء واللوم وتحويلهما إلى نقاط قوة، وتعلم مهارات التواصل العميق في ظل تراجع التفاعل الإنساني التقليدي.

واستدلت في هذا السياق بالمبدأ التربوي القائل: "أشركني وسوف أفهم"، مؤكدة أن المهارات النفسية لا تُكتسب بالتلقين أو القراءة فحسب، بل بخوض التجارب التي تحاكي الواقع.

وعن أثر تنميتها على الصحة العامة للشباب، فقد أشارت الجامعية إلى أن بناء جيل يتمتع بالمرونة النفسية سينعكس إيجاباً على المجتمع العُماني؛ حيث سيمتلك الشباب القدرة على التعامل مع الأزمات بهدوء ووعي واعتبار طلب المساعدة أمراً اعتيادياً، والنظر إلى الأخطاء كفرص للنمو. وأكدت على أن خروج الفرد من "دائرة الراحة" هو أحد الأسس التي يُبنى عليها المجتمع الحيوي، حيث يفتح فضاءات رحبة للمبادرة والابتكار دون قلق من الفشل، مما يسهم في دفع الطاقات البشرية إلى أقصى حدودها الممكنة لخدمة الوطن والمجتمع.

وقال أيوب بن سليمان البوصافي، إخصائي نفسي بالمركز الوطني للتوحد: إن الصحة النفسية لدى الشباب تمثل الركيزة الأساسية لبناء إنسان قادر على التعلم والإنتاج والتكيف مع تحولات الحياة، خاصة مع تسارع الإيقاع الاجتماعي والاقتصادي وتعاظم تأثير الفضاء الرقمي على أنماط التفكير.

وأضاف أن المجتمع العُماني، بما يمتلكه من روابط أسرية وثقافية داعمة، يستوجب الانتقال من التعامل مع الصحة النفسية كشأن علاجي طارئ إلى مقاربة وقائية وتنموية تعزز التوازن الداخلي والوعي بالذات لدى الناشئة والشباب، موضحا بأن امتلاك الشاب لهدف واضح ومعنى محدد في الحياة يرتبط طرديا بارتفاع معدلات الرضا الذاتي وانخفاض القلق، حيث يمنح الفرد قدرة أكبر لتفسير الضغوط وإدارة التحديات وتوجيه الطاقات نحو سلوكيات إيجابية قائمة على الالتزام والإنجاز، بعيدا عن ضغوط المقارنات أو التوقعات المؤقتة.

وأشار إلى الدور الحيوي للأنشطة الشبابية ذات البعد القيمي مثل: البرامج التطوعية في تنمية الشعور بالجدوى والمسؤولية الاجتماعية، مؤكدا أن المبادرات التي تدمج بين الحوار والتخطيط الشخصي تساعد الشباب على صياغة أهدافهم بما يتوافق مع قدراتهم، ما يعزز مرونتهم النفسية تجاه غموض المستقبل.

ورأى البوصافي بأن المهرجانات والفعاليات الشبابية التي تشهدها مختلف المحافظات تُعد منصات مجتمعية مثالية تجمع بين الثقافة والرياضة وريادة الأعمال، وتوفر مساحات آمنة للتعبير عن الذات وبناء شبكات اجتماعية واقية من العزلة، ما يصب في مصلحة الاستقرار النفسي العام للمجتمع.