مسقط ـ العُمانية: برزت تجربة الفنانة إيمان الخاطرية في المشهد التشكيلي العماني المعاصر كنموذج يوازن بين المدرسة الكلاسيكية العالمية وبين رحابة الوجدان المحلي. فهي فنانة لا ترسم المكان كمشهد عابر، بل تعيد صياغته ككيان حي، مستلهمة من الشعر العربي والبيئة العمانية خيوطًا لنسج ذاكرة بصرية تخطت الحدود الجغرافية لتخاطب الإنسان في شتى بقاع الأرض.
وقالت إيمان بنت علي الخاطري، فنانة تشكيلية في حديث لوكالة الأنباء العُمانية إن مسيرتها الفنية بدأت باستلهام أفكار الرسم من القصائد و الشعر العربي منذ بداية مراحل التعليم، ثم اتجهت خلال دراستها بجامعة السلطان قابوس إلى التعبير عن البيئة العُمانية والتعبير عن القضايا الإنسانية، كقضية اللجوء، والقضايا المحلية كقضية البحث عن العمل، مبينة أن أجمل الفنون هي عندما يكون فيها جزء منا. ووضحت كيف أسهمت زيارتها للمتاحف الفنية في لندن وباريس وإسبانيا ودراستها في أكاديمية الفنون ببرشلونة (بعد تخرجها من الجامعة) في تطوير مهارتها الفنية وذلك من خلال ضبط النسب والتشريح ورسم المشاهد السريعة، وكيفية قراءة اللوحة الفنية والإحساس بالمشهد الفني الناتج عن التعرف على التجارب الكلاسيكية في الرسم والتلوين والتعرف على التقنيات الفنية، والالتقاء بالفنانين من مختلف دول العالم والتوسع في استخدام الماركات المختلفة للألوان والأدوات في الرسم الزيتي. وذكرت الفنانة التشكيلية بأن أفضل الفنون هي التي يكون فيها (جزأ منا ومن مشاعرنا، من تجاربنا الجميلة والحزينة، ومن تعاطفنا مع الأحداث التي تدور حولنا وكيف نراها وتؤثر فينا)، معبرة عن ذلك في لوحة (اللجوء)، ومؤكدة سعيها إلى إتقان بعض التقنيات اللونية في الرسم الزيتي و الرسم بالرصاص ومن ثم العودة مرة أخرى في أعمال فنية للتعبير عن ما يجول في مشاعرها من الشعر العربي كمصدر إلهام تشكيلي. وعن كيفية تحويل القصائد والنصوص اللغوية إلى بناء تشكيلي قائم على اللون والإيقاع والحركة، قالت إيمان الخاطري: (يتحوّل الشعر واللغة العربية في تجربتي إلى منبع بصري قبل أن يكونا نصًّا مقروءًا، فالكلمة عندي تحمل صورة وإيقاعًا داخليًا يدفعني إلى ترجمتها لونًا وحركةً داخل اللوحة. حيث كنت أتعامل مع القصيدة كما لو كانت مساحة شعورية؛ أستخرج منها الإحساس العام، حزن، حنين، قوة، أو أمل، ثم أقوم ببنائه تشكيليًا عبر انسجام الألوان ودمجها وإيقاع الخطوط وتوزيع العناصر. وما يستوقفني أكثر في النص الأدبي هو البعد الإنساني فيه، خاصة حين يلامس قضايا قريبة مني أو من بيئتي العُمانية. كل هذه المضامين تتحول في اللوحة إلى رموز وألوان تعبّر عن التجربة لا بشكل مباشر، بل عبر إحساس بصري يترك مساحة للمتلقي ليقرأ العمل بطريقته الخاصة).
وعن حضور البيئة العُمانية في أعمالها، فقد أشارت الفنانة التشكيلية إلى أنها تحضر في أعمالها في كونها ذاكرة حيّة أكثر من كونها خلفية مكانية، فهي لا تتعامل مع المكان كمنظر طبيعي فحسب، بل كحامل لطبقات من الحكايات والهوية والانتماء، فحيث يبرز الضوء العُماني في لوحات الهواء الطلق التي تنفذها في الطبيعة، ليحدد الكتل بوضوح ويمنح الألوان حرارة خاصة، سواء في خضرة المزارع، أو زرقة الجبال البعيدة، أو ظلال الأشجار الممتدة على الأرض. ويظهر الإنسان العُماني في أعمالها كجزء أصيل من هذا المكان، لا منفصلًا عنه، حيث تُبرز الملامح واللباس التقليدي، بحيث تتحول الملامح إلى مرآة لثقافة كاملة. إذ لا تقدم الشخصية كصورة فوتوغرافية منقولة، بل كحضور إنساني يحمل أثر البيئة في تعابيره ونظرته ولباسه.
وأكدت: هنا تصبح البيئة العُمانية في تجربتي ليست موضوعًا مرسومًا فقط، بل ذاكرة بصرية تتجدد مع كل لوحة، وجسرًا يصل بين الخاص والعام، بين المكان المحدد والإنسان في معناه الأوسع.
وكشفت الفنانة: أعمالي الإنسانية تنبع من خلال القضايا والإحساس بها، ومن ثم نقل الحالة الشعورية التي عشتها، مع الإبقاء على المنهج الذي أتبعه للحفاظ على عمق الفكرة الذي يقوم على الإيحاء لا التصريح. فأنا لا أقدم رسالة خطابية أو مشهدًا سرديًا واضحًا، بل أترك فراغًا تأويليًا يسمح للمتلقي بالمشاركة في بناء المعنى.
وذكرت بأنها تعتمد على التعبير الصامت للملامح، وعلى الضوء والظل في إيجاد مزاج نفسي، بحيث تصبح الفكرة متجسدة في الإحساس البصري لا في الشعارات. وبهذا الشكل، يظل العمل الفني مفتوحًا، يتناول قضايا إنسانية عامة، كالهوية، والسكينة، والوجود، لكنه يفعل ذلك عبر لغة تشكيلية هادئة وعميقة، تحترم وعي المتلقي وتدعوه إلى التأمل بدل التلقي المباشر.