أمُّ الدنيا.. لقبٌ يألفه كلُّ ناطقٍ بالعربية، فما إن يُذكر حتى تتجه الأذهان فورًا إلى مصر غير أنني، في مقالي هذا، لا أبتغي الحديث عن هذا اللقب بما يحمله من معاني الفخر والاعتزاز في وجدان الشعب المصري، ولا عن تداوله إعلاميًّا بوصفه عنوانًا للهوية الوطنية، ولا عن مصر الحاضنة للحضارة الفرعونية؛ أعرق حضارات التاريخ وأحد أهم منابع الإشعاع الحضاري إلى العالم.
ولستُ هنا بصدد استعراض ما يختزنه اللقب من دلالات على مكانة مصر الثقافية والدينية عبر العصور، أو دورها السياسي إقليميًا ودوليًا؛ فذلك كلُّه معلومٌ ومألوف، والحديث عنه لن يتجاوز إعادة ما استقر في الأذهان .
في زيارتي الأخيرة إلى مصر إبان فصل الشتاء، لم يكن انبهاري مقتصرًا على حداثة العاصمة الإدارية ولا على روعة المتحف المصري الكبير في محافظة الجيزة، ولا على شبكة الطرق والمواصلات الحديثة وما أضفته من سيولة مرورية وسرعة لافتة في التنقل، ولا على التوسع الأفقي للمدن السكنية الجديدة ، ولا حتى على مشروعات البنية التحتية المتواصلة في مختلف محافظات جمهورية مصر العربية.
لقد كان أكثر ما أدهشني - بما يفوق الوصف - ما وصلت إليه النظم الإلكترونية من كفاءة وسرعة في المتابعة، وأخصّ بالذكر محافظة القاهرة، المدينة التي عشت فيها منذ طفولتي ولا تزال زيارتي إليها متجددة.
فقد تركت زيارتي الأخيرة للقاهرة أثرًا عميقًا في نفسي، حين تقدمت بثلاث شكاوى إلكترونيًا، ورغم أن الشكاوي كانت لأحياء مختلفة بالقاهرة ، فإن كل شكوى حظيت بالمتابعة خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط . ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنني فوجئت - في إحدى الشكاوى - بسعادة رئيس حي الوايلي، الذي لا تجمعني به معرفة شخصية على الإطلاق ، ينزل ميدانيًا برفقة عدد من موظفي الحي لمتابعة الشكوى باهتمام ومسؤولية ، ضع في الاعتبار أنني لست مواطنة مصرية كي أحظى بكل هذا الاهتمام ، بل مواطنة عٌمانية جاءت إلى القاهرة في زيارة وقدمت شكواها عبر الإنترنت ، لتجد كل هذا القدر من الجدية والاستجابة ؛ مشهد جسد أمامي معنى الإدارة الحديثة حين تقترن بالكفاءة والإحساس بالمسؤولية .
شهادةُ حقٍّ أجدني ملزمةً بقولها: إن هذا الاهتمام النموذجي من حيّ الوايلي في التعامل مع شكواي - وأكاد أجزم أنه نهجٌ متكرر في أحياءٍ أخرى من القاهرة - إنما يعكس صورةً واقعية صادقة عن انضباط الهرم الوظيفي وتكامل أدواره. فمثل هذا القدر من الجدية والحرص على متابعة الشكاوي لا يولد من فراغ، فمن المؤكد أن للقاهرة محافظًا يعمل على قدم وساق ويمتلك مفاتيح الإدارة الواعية وحسن التخطيط والمتابعة . وآية ذلك روح المسؤولية في سعيها الدؤوب لترسيخ ثقافة الانضباط والانجاز، وترجمة الأقوال الى أفعال. حقًا زيارتي الأخيرة إلى القاهرة ستظل عالقة في الذاكرة ، لما لمسته من معانٍ تؤكد أن هذه المدينة العريقة تمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل مشرق . مستقبل ؛ أكد عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حين قال في إحدى خطبه : «أم الدنيا وحتبقى قد الدنيا» وتحيا مصر.
د. آسية البوعلي
باحثة وكاتبة عمانية