التواضع خلق يرفع صاحبه إلى المكانة العالية، فيدل على صدق سموه ورفعته، وهو خلق الأنبياء، وزمرد الأصفياء.
وقد اختاره أعظم الأنبياء في تعايشه مع أصحابه رغم عظمة منزلته في كل المستويات، وقد أمره بذلك ربه في محكم تنزيله:(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقد بلغ برحمة من الله منزلة اللين حتى عند مخالفتهم لتعليماته (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ).
التواضع هو النزول (تأدّبًا) من حال إلى حال أقل، في كل ما يستدعي الترفّع كالجاه والعلم والغنى والرتب وغيره، فهو عكس التكبر تماما، ويكون النزول عن تأدب لا عن منقصة يقول النبي مبشّرًا ومحذّرًا (طوبى لمن تواضع في غير منقصة) والمنقصة هي المعصية وارتكاب الدنيئة، وتواضع الضعيف لمن هو أعلى منه يُعدُّ ذُلًّا لا تواضعًا.
ومن ثمرات التواضع؛ حب الله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، وكذلك من فوائده العزّة:(ما تواضع احد لله إلا رفعه) الحديث، ومحبة الناس؛ إذ التواضع يغرس المحبة بين الغني والفقير، وبين العالم العامي، وبين القوي والضعيف، وبين الرئيس والمرؤوس فتسير العلاقات والأعمال بكل محبة وإتقان.
ومن مظاهر التواضع: التواضع لله، وهو الخضوع لعظمة الله وعزته وكبريائه، ومنه إطالة الركوع والسجود والتذلل عند دعائه، والانكسار أمام الحاجة إليه، وتذكر هيبته عند شموخ النفس ألا يُعلى عليه، والتواضع للوالدين:(وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، والتواضع للدين: لا تنظر إلى الأحكام والأوامر والنواهي والتعليمات نظرة ناقصة، فالدين لله الكامل ويستمد كماله من صاحب الجلال والكمال، فإن أشكل عليك أمر فاسأل أهل الذكر، والتواضع في العلم والجاه.. وغيرها، وقد حاز النبي على جميع تلك المراتب في أوج رفعتها لكن أحبه جميع الناس على اختلافهم فيها، لعلة تواضعه في مستوياتهم.
والتواضع في الرتب والوظائف: وهذا من أصعب الأمور إذ كيف يجمع المسؤول بين لينه وضمان تنفيذ أوامره، والحل هو طريقة تعامل الرسول مع جنوده وقد أوجزته أم المؤمنين عائية: (كان متواضعًا في غير ذل، ومهابًا في غير تكبر).
فالتواضع زمرد نفيس يذكي المحبة، ويرفع المنزلة، ويذيب الطبقات، ويأمن حيوية المجتمع المسالم، ويتجلى التواضع خُلُقًا رفيعًا يرفع القدر ويزكّي النفس، وهو سمة الأنبياء والصالحين، به تُنال محبة الله والناس، وتستقيم العلاقات وتزدهر المجتمعات. ويُوصى بالتخلّق بالتواضع لله وللناس في غير منقصة، مع حفظ العزّة والهيبة، اقتداءً بهدي النبي (صلى الله عليه وسلم) ليبقى المجتمع متآلفًا راقيًا.
سامي بن محمد السيابي
كاتب عماني
(اللجنة الثقافية لفريق الهلال ـ نفعاء)