مشاعر البهجة والسعادة، والإحساس الجميل بإقبال أيَّام العيد، كانت تتوغل في دواخل أرواحنا وتخفق لها قلوبنا وتعانق أجسادنا وتجعل حتَّى النوم يجافي عيوننا، فالفرح تأثيره أكبر وأكثر هيمنة من النوم، وما يحمله العيد لنا من مفاجآت وهدايا وصوَر ورغبات وأشياء لا نراها إلَّا في مناسباته تضاعف المسرَّة والغبطة، فالموائد والأطعمة والحلويات واللحوم المشويَّة بأنواعها شحيحة ولا تمتلئ بها الصحون والأواني ومراجل الطبخ وتنور الشواء فتتخم البطون الجائعة إلَّا في العيد. والشاعر يقول «لا تحسبن نهار العيد مكرمة * حتَّى الحصين نهار العيد شبعان»، وفي «هبطات» أو «حلقات» العيد، تصل إلى الأسواق من البضائع والسِّلع وأدوات الترفيه وأشكال من الحلويات وألعاب الأطفال... ما لا نلهو ونستمتع ونفرح به إلَّا فيها، وفي العيد يتكرم علينا الآباء والأعمام والأقارب والمعارف فينفحوننا بـ»العيديَّة» الَّتي ننتظرها بفارغ الصبر فتتلألأ برؤيتها الوجوه وتجري البيسات والريالات في أيدينا ودواخل جيوبنا، لِنشتريَ بها ما يحلو لنا من السوق. وفي العيد تلتقي وتجتمع الأُسر والعائلات وسكَّان الحارَة وأبناء القرية والمدينة، في البيت «العود» والسَّبلة ومصلى العيد والسوق و»المركاض» وهو ساحة سباق الخيل والإبل وانتظام الأهازيج والرزحات وفعاليَّات وأنشطة العيد، وبالقرب من تنور الشواء عند وضعه وفي موعد استخراجه، ويتبادل الناس الزيارات والسَّلام والتهنئة بالمناسبة السعيدة، لعدَّة أيَّام تعيش المُجتمعات الإسلاميَّة في قُراهم ومناطق سكناهم، في المُدن والحواضر والبادية أفراحًا عامَّة ولحظات جميلة ويقدِّمون معاني ودلالات عميقة لغايات العيد وأهدافه ورسالته، الطرف والدعابات والابتسامات وخلافه تَسُود الملامح والعلاقات والأحاديث، أرواح صادقة وحياة بسيطة وعادات وتقاليد تألفها وتستأنس بها النفْس، التعاون والشعور بالآخر والتكافل والتعاون والعمل الجماعي... تطغى على المشهد في العيد، بل وحتَّى في الأوقات والأيَّام الأخرى في الماضي... فهل ما زال الشعور بالعيد وملامحه وصوَره وتجاوب الناس ونظرتهم وسعادتهم متجدِّدة وباقية مثلما وصفْتُه وعَبَّرتُ عنه أسطر المقال الأولى؟ أم أنَّ تحوُّلات وتبدُّلات جرتْ في سواقي الزمن أضعفت استثنائيَّة العيد وقرَّبت مناسبته من الأيَّام العاديَّة إلَّا في جوانب قليلة جدًّا؟ لا شك بأنَّ ثورة الاتصالات والتقنيَّة وعصر الإنترنت وقِيَم العولمة والأسواق المفتوحة والمجمَّعات والمراكز التجاريَّة الفخمة والعصريَّة، والتطواف في أنحاء العالم وبَيْنَ مُدنه ودوله والانفتاح على الثقافات، وهذا الزخم الهائل والكمُّ المهول من المعلومات... أحدثتْ تحوُّلات عميقة في البنى والهياكل الاجتماعيَّة، في القِيَم والعادات والتقاليد وأنماط ومناهج التفكير، وأصبح لكُلِّ فرد صداقاته وعلاقاته على امتداد المعمورة وفي هذا الفضاء الإلكتروني الواسع، ووظيفته ومستقبله وتخصُّصه وأعماله الحُرَّة وانشغالاته وهمومه الَّتي اختلفت وتغيَّرت عن السابق، وهذا ما نراه ونعايشه في مجالس العزاء والأعراس والأعياد، الانصراف والانعزال والانغماس في ذلك الجهاز السحري الصغير الَّذي يحمله في جيبه أينما سار، وباتَ أقرب إلى الواحد من أُمِّه وأبيه يتابع منه أعماله وينهي معاملاته ويراقب نشاطات أصدقائه الافتراضيين وأخبار العالم، ويستمتع بمشاهدة أفلامه وبرامجه وكُلَّ ما يُمتعه ويُثيره بعيدًا عن عالمه الواقعي في العيد والمناسبات الأخرى، وجعلتْ تلك التحوُّلات الحياة كذلك، سهلةً ميسرة مزدهرة، والنقود تجري في الجيوب بسلاسة وسهولة ووسائل وأدوات الترفيه ولعب الأطفال متوافرة في كُلِّ وقت، والمطاعم والمقاهي تقدِّم الأطعمة الَّتي ترضي جميع الأذواق، والسلع والبضائع والعلامات (الماركات) العالميَّة والحلويات متوافرة في الأسواق والمحال التجاريَّة، والمهرجانات والاحتفالات والمعارض تقام باستمرار... فلم يَعُدْ ما يقدِّمه العيد وتعرضه «هبطاته» وتنتظم عنه برامجه وأنشطته وفعاليَّاته بالاستثنائي والجديد والمتفرد، بل أصبح الكثيرون من المنتمين إلى الأجيال الشَّابَّة ومراحل الطفولة يستصعبون رسميَّات العيد وتقاليده وارتباطاته ويفضِّلون الأيَّام العاديَّة أو استثمار إجازاته للسفر والرحلات... دُونَ وعي وإدراك بأنَّ العيد مناسبة دِينيَّة يؤمر فيها المسلم بارتداء الجديد من الملابس، وبإظهار وإعلان الفرح والسرور والمشاركة بفاعليَّة ونشاط في فقرات وبرامج العيد والمساهمة بـ»العيديَّة» في إدخال البهجة والسعادة في نفوس الأطفال خصوصًا الفقراء، والتصدق على المحتاجين ومَن يعيشون الفاقة وضنك العيش، وأداء صلاة العيد وكُلِّ طقوسه وشعائره الَّتي نُقلت عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم. فالعيد عبادة ومشاركة إيجابيَّة وفرح والتقاء الأُسر والأرحام، وفرصة لتقييم وتقويم النفْس ومراجعة الحسابات والتفكر في الساعات الَّتي تمضي سريعًا دُونَ أن ننتبه لها! في العيد سكينة وهدوء وطمأنينة وحُب وتآلف والتقاء الأرواح، وعلينا أن نستشعرها ونستثمرها ونحمد الله على النعم... سواء كان العيد في الماضي أو الحاضر أو عالم المستقبل، وأيًّا كانت التحوُّلات والتبدُّلات وحجم المشاغل، والتقلُّبات والثورات العلميَّة، إلَّا أنَّ انعكاسات وتأثيرات كُلِّ ذلك لا يَجِبُ أن تضعف من مكانة العيد وارتباطاتنا العميقة به وبأيَّامه المباركة السعيدة، وهو ما تفرضه المسؤوليَّة كذلك أن ننميَه في أبنائنا ونربيهم وننشئهم على حُب العيد وتبصيرهم بأهدافه وغاياته ورسالته العظيمة. ولأنَّنا نعيش أيَّام العيد، تظلُّ أحلامنا وتطلُّعاتنا متجدِّدةً وطموحاتنا كبيرة، ودعاؤنا متواصلًا غير منقطع، وأملنا في الله العلي القدير بأن يجدِّدَ نهضة وحضارة الأُمَّة الإسلاميَّة، ويجمع شملها، ويُعِيد لها مكانتها، ويرفع شأنها لِتحملَ أمانة نشر الإسلام والتعريف بقِيَمه ومُثله الإنسانيَّة العظيمة.
سعود بن علي الحارثي