هل يحتاج الإيمان إلى إجابات كاملة؟ هذا السؤال ظلَّ حاضرًا في مسارات التفكير الدِّيني قديمًا وحديثًا، ويَعُود في كُلِّ جيل بصياغات مختلفة، خصوصًا لدى مَن يظنُّ أنَّ الطمأنينة لا تستقر إلَّا إذا أُغلقت جميع علامات الاستفهام، وأُحكمت دوائر الفهم إحكامًا تامًّا.
غير أنَّ التجربة الإنسانيَّة، قَبل التجربة الدِّينيَّة، تقول إنَّ الحياة نفْسها لا تُعاش بهذه الطريقة. الإنسان يختار ويتزوج ويسافر ويستثمر ويُقْدم على قرارات مصيريَّة دُونَ أن يمتلكَ صورة مكتملة عن المستقبل. إنَّه يتحرك بثقة نسبيَّة، وبمعرفة جزئيَّة، وبيقين عملي لا يشترط الإحاطة الكاملة. فكيف يُطلب من الإيمان ـ وهو علاقة وجوديَّة عميقة ـ ما لا يُطلب من سائر مجالات الحياة؟
في كِتابه «رحلتي من الشك إلى الإيمان» يروي مصطفى محمود تحوُّله الفكري عندما أدرك أنَّ العقل ـ على جلالته ـ أداة محدودة المجال؛ أي أنَّه يتعامل مع الآثار والعلاقات، لا مع الذَّوات في كنهها، وأنَّ تحميله ما لا يُحتمل عبء ومصدر قلق.
ومن هنا يتبَيَّن الفَرق الجوهري بَيْنَ «التسليم» و»الجمود»، فالتسليم ليس تعطيلًا للعقل، بل وعيًا بحدوده، هو أن تستخدمَ العقل إلى منتهاه، ثم تعرف متى تتوقف احترامًا للحقيقة، لا خوفًا منها. أمَّا الجمود فهو توقف كسول، يرفض السؤال خشية الاضطراب، ويستعيض عن البحث بإجابات محفوظة لا حياة فيها.
العِلم نفْسه يقدِّم نموذجًا لهذا التسليم الواعي. نحن نتعامل مع مفاهيم مثل الجاذبيَّة والطاقة والوعي، دُونَ أن نزعمَ أنَّنا أدركنا كنهها النهائي. نعرف آثارها وقوانينها، ونبني عليها، ونمضي، ولا يشعر أحد أنَّ هذا «نقص» يهدِّد العِلم. فلماذا يتحول النقص المعرفي في المجال الدِّيني إلى أزمة وجوديَّة عند البعض؟
في هذا السياق، يأتي رمضان بوصفه تجربة عمليَّة تُعِيد ترتيب العلاقة بَيْنَ السؤال واليقين. الصِّيام يجعلنا نثق بأنَّ وراء التكليف حكمة، حتَّى وإن لم تُدرك جميع تفاصيلها، هو في حقيقته مدرسة متكاملة لإعادة بناء الداخل وبناء القِيَم، وهو يمنح العقل فرصةً للتفكر بآليَّة تُهذبه.
القرآن الكريم يربط بَيْنَ التفكر والإيمان ربطًا عميقًا، كما في قوله تعالى:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ… لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
فالخِطاب موجَّه إلى «أُولي الألباب»، أي أصحاب العقول. غير أنَّ هذا الاستدعاء للعقل لا يعني تأليهه إنَّما يهدف إلى توظيفه في مجاله الصحيح، دُونَ أن يُطلب منه اقتحام ما وراء طبيعته.
بل إنَّ بعض المرويَّات تُظهر أنَّ التفكير ليس نقيض العبادة، بل من صميمها، فهو يَقُود إلى الخشوع، وبِدَوْره يَقُودنا إلى الطمأنينة، ومن زاوية أخرى، فإنَّ اشتراط الإجابات الكاملة قد يتحول إلى فخٍّ نفْسي؛ لأنَّ كُلَّ إجابة تفتح سؤالًا آخر، وكُلَّ تفسير يولد تفسيرًا أعمق. فإن رُبط اليقين بإغلاق جميع الأسئلة، فلن يأتيَ يوم يُغلق فيه هذا الباب. أمَّا إذا رُبط اليقين بوعي الحدود، فإنَّ الأسئلة تتحول إلى مسار نُمو، لا إلى معول هدم.
التجربة الإيمانيَّة الناضجة إذن ليست حالة ذهنيَّة جامدة، ولا استسلامًا أعمى، ولا مطاردة محمومة لليقين المطْلق. إنَّها مسار تراكمي، ينمو فيه الفَهْمُ تدريجيًّا، وتزداد فيه الطمأنينة بقدر ما يتواضع العقل أمام الحقيقة.
رمضان، في جوهره، يُعلِّم هذا المعنى عمليًّا؛ فالمسلم يُمسك عن المباحات إيمانًا واحتسابًا؛ لأنَّه وثق بالحكمة، وسار في الطريق. ومع تكرار التجربة، تتكشف له المعاني: ضبط النفْس، صفاء القلب، رهافة الحسِّ، تعميق الصلة بالله.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr