الثلاثاء 17 مارس 2026 م - 27 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

موقف سلطنة عُمان يحمل التوازن والاستقلالية

موقف سلطنة عُمان يحمل التوازن والاستقلالية
الثلاثاء - 17 مارس 2026 04:36 ص

جودة مرسي


ذكرتُ في مقالي بتاريخ الرابع من مارس بعنوان (دبلوماسيَّة النهج الفريد) أنَّ الدبلوماسيَّة العُمانيَّة واحدة من أذكى المدارس السياسيَّة في الشرق الأوسط؛ لأنَّها اعتمدت منذ عهود على الهدوء الاستراتيجي وعدم الاصطفاف الحادِّ والقدرة على الوساطة بَيْنَ الخصوم. هذا النهج تأسَّس في عهد السُّلطان الراحل قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ واستمر مع قائد النهضة المُتجدِّدة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ ولم تستمر الأحداث كثيرًا إلَّا وطالعنا الموقف المتميِّز من كُلِّ الوجوه، والَّذي ينمُّ عن قراءة جيِّدة وحكيمة للتاريخ بماضيه وحاضره ومستقبله؛ إذ إنَّ السياسة العُمانيَّة تحمل على كاهلها سلامة وأمان ومصلحة المُواطِن العربي بكُلِّ فئاته وطوائفه وليس العُماني وفقط. وهذا ليس بغريب عن مواقف سلطنة عُمان المضيئة، فجاء تصريح معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير خارجيَّة سلطنة عُمان والَّذي ذكر فيه «أنَّ سلطنة عُمان لن تطبع مع «إسرائيل» ولن تدخل مجلس السَّلام»، ممَّا يعني أنَّ سلطنة عُمان ترفض التصعيد العسكري والتدخل في شؤون الدول. كُلُّ هذا في خضمِّ التصعيد العسكري الكبير في الخليج والشرق الأوسط، لِيبرزَ موقف سلطنة عُمان كأحَد أكثر المواقف توازنًا واستقلاليَّة. ويأتي مضمون التصريح برفض الانخراط في الحرب أو دعمها، والعودة للحلول السياسيَّة والدبلوماسيَّة بدل المواجهة العسكريَّة، كما اعتبر أنَّ الحرب الجارية تهدف إلى: إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، والدفع باتِّجاه موجة جديدة من التطبيع، منع قيام دولة فلسطينيَّة مستقلَّة، والتأكيد على أنَّ مسقط ترى أنَّ الحلَّ الحقيقي للأزمات الإقليميَّة هو الحوار والوساطة وليس المواجهة العسكريَّة.

وهذا الموقف المتفرد يثبتُ أنَّ السياسة العُمانيَّة تَقُوم تاريخيًّا على مبدأ الحياد الإيجابي أو ما يُسمَّى أحيانًا الدبلوماسيَّة الهادئة. ويتجلى تفرُّدها في عدَّة نقاط أهمُّها التميُّز بالبُعد عن الانخراط في التحالفات الأمنيَّة أو العسكريَّة، للحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف (الخليج – إيران – الغرب). ممَّا يُحقق عدَّة مكاسب استراتيجيَّة مثل الحفاظ على الاستقرار الداخلي، البُعد عن المخاطر الأمنيَّة والاستنزاف الاقتصادي، فكُلَّما بقيتْ سلطنة عُمان خارج الاستقطاب زادتْ قدرتها على أداء دَوْر الوسيط المقبول من جميع الأطراف.

إنَّ التصريحات الأخيرة لمعالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة نموذج لِمَن يريد أن يزرع بذور السَّلام الَّتي تتوافق مع البنية السياسيَّة الَّتي أساسها الإنسان وحمايته من الحروب ودمارها وأطماعها، والدخول في مراهنات خاسرة قد تكلف الشعوب الكثير من الآلام. ويا ليتَ أن يتعلم الآخرون من هذه المدرسة المتفردة، والَّتي دائمًا ما تؤكِّد سلامة المواقف رغم كثرة الأزمات على أُمَّتنا.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»