الشباب هم الركيزة الأساسية، وسواعد البناء والتعمير والتطوير، والمورد الذي يعتمد عليه الوطن ولا ينضب، وبسواعدهم وزندهم ترتقي بوطنك، يا سائلًا عن موطني وبلادي .. ومفتشًا عن موطن الأجداد، ومن أحب أرض أجداده وحفر في تراب قريته وأرضه من المؤكد سيبذل الغالي والنفيس من أجلها، فكم من مغتربٍ عن أرضه لأي ظرف كان، وربما البعض غرتهم الحياة وزينت لهم نعم الحياة في أرض غير أرضهم فما أن يتركوا الوطن ويبدأوا يكيلون له أبشع الصور وأسوأها غير مدركين أنه مهما تغربت، وأينما ذهبت لا شيء يعوضك عن الوطن ولو فرشت لك الأرض بالورد والزهور، وكم من تغنى عشقًا وشوقًا من أجل العودة لأرض الوطن.. يقول الشاعر والأديب العراقي الكبير محمد الجواهري: بكيت حتى بكى من ليس يعرفني .. ونحت حتى حكاني طائر غرد. وجميعنا يتذكر تلك الكلمات التي رددها بموال الفنان العراقي أيضًا سعدون جابر: اللي مضيع ذهب في سوق الذهب يلقاه .. واللي مفارق محب يمكن سنه وينساه .. بس اللي مضيع وطن وين الوطن يلقاه. ومن عرف قيمة الأرض التي يتربى فيها وينشأ فيها ويحفر في ترابها وهو صغير تكبر معه ويكبر الحنين لتلك الأرض. وما يقوم به شباب هذا الوطن الكبير في السنوات الأخيرة بالفعل يدعو للفخر الذين شعروا بأهمية القرية وصوت خرير الماء وهو ينساب في الساقية. ولا أعلم أين كانت هي البداية؟ هل في قرية العقر بولاية نزوى التي تحولت بعد ذلك إلى مزار سياحي محافظ على تراثه القديم مع إضافة لمسات جمالية حديثة وأصبح القاصي والداني يزور ويرتاد تلك الحارة والتي أصبحت منازلها القديمة (نزل) تستقبل الزائرين، ومنها بدأت تنتهج الكثير من الحارات نفس النهج من بينها ممشى حارة حلة الشيخ في ولاية العوابي، أصبح ذلك الممشى يشهد ازدحامًا وحركة دؤوبة لا تتوقف؟ ومنذ عدة أيام كانت لنا زيارة لقرية سرور في ولاية سمائل التي ارتبط أسمها في أذهاننا منذ الصغر بهبطة سرور الشهيرة التي يرتادها الناس من كل عُمان حتى السياح والوافدون، فأراد أبناؤها أن يعيدو السرور والفرحة والبهجة إلى قريتهم فكانت الفكرة نابعة من مجموعة شباب ليبدأوا العمل الفعلي في النصف الثاني من العام الماضي، وسرعان ما شمر باقي الشباب عن سواعدهم من أجل العمل في تحسين الممرات وإعادة سوقها القديم شيئًا فشيئًا إلى الحياة. والشيء الجميل في قرية سرور هو أنك تطوف بين حواريها بممراتها المضاءة، وتجد تعريفًا عن كل موقع إلى جانب إعادة ترميم المباني القديمة بنفس الطراز من الطين والجبس. فكم من قرية هجرها أهلها، وكم من حارة يغطيها الظلام الدامس. ولكن سيأتي يوم ما وتعود لها الحياة كما هو الحال في الكثير من القرى والحواري العمانية برائحة الماضي وبلمسة الحاضر. وعندما تزرع في أبناء القرية والمدينة حب الأرض من المؤكد ينمو ويكبر ذلك الحب مع الوطن، وشباب عُمان هم هكذا دائمًا مرتبطون بأرضهم ووطنهم شاء من شاء وأبى من أبى؛ لأن عُمان هي التاريخ والحضارة منذ آلاف السنين.
يونس المعشري
كاتب عماني