إنّ من فضائل شهرِ رمضانَ الفضيلِ (ليلة القدر)، وهي الليلةُ الموعودة التي نزلتْ فيها سورةٌ كاملة تبيِّن قدرها ومقامَها ومنزلتها وفضائلَها، وهي ليلةٌ سجلها القرآنُ الكريم بأوسع الصفات، وأرق النعوت، وكررها ثلاث مرات في سورة واحدة لترسيخ مكانها في القلوب، وملء الأفئدة بحبها، والطاعة فيها، وعدم إضاعة أيِّ وقتٍ من أوقاتها حتى يطلع فجرُها، وللسورة جملةٌ من الحقائق نُعِيدُ التذكير بها، وأولُ تلك الحقائق: أنها في كلِّ آياتها واردةٌ بالجمل الاسمية، ففيها عشر جملٍ، كلُّها جملٌ اسميةٌ، ومعنى هذا أن أحكامها ثابتةٌ، مستقرةٌ، أزليةٌ، سرمديةٌ، لا تتغير أحكامها، ولا تتبدل مكانتها، وتلك الجمل العشر هي:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) (القدر1 ـ 5)، فجميع أحكامِها وردتْ بالجملة الاسمية، وهي تفيد في أصل وضعها الثباتَ، والاستمرارَ، والسرمديةَ، كما أن الجمل الاسمية ـ كما قال علماء النحو ـ أشرفُ من الجمل الفعلية لثباتها، واستمرارها، وثاني تلك الحقائق: أنه صحيح أنهم قد اختلفوا في تحديد يومها، فقالوا: هي منتشرة في العشر الأواخر، ومرة قالوا: في الوتر من العشر الأواخر، ومرة قالوا: يوم الرابع والعشرين، والجمهور على أنها ليلة السابع والعشرين، وفي السورة دليلٌ لفظيٌّ على أنها ليلة السابع والعشرين، وهو أنهم قالوا:(لأن عدد كلمات السورة ثلاثون كلمة، وكلمة:(هي) ترتيبها هو السابع والعشرون، أيْ أن القارئ عندما وصل إليها، قال، وأسرع النطق وكرر:(هي، هي، هي)، كأنه لما رآها فرح، وهلل، ونادى:(هي هي)، وثالثها: أنّ هناك دليلًا آخرَ على كونها هي ليلة السابع والعشرين، وهو أن تركيب «ليلة القدر» تركيب إضافي، عدد حروفه تسعة أحرف:(ليلة أربعة أحرف، والقدر خمسة أحرف)، وهو تركيب تكرر ثلاث مرات، فإذا جَمَعْنَا الحروف، أو ضربْنا التسعة في ثلاث ـ خرجت لنا ليلة السابع والعشرين، فإما أن تأخذ الدليلَ من عدد الكلمات فتجد كلمة (هي) رقم (27)، أو أن تضرب عدد أحرف:(ليلة القدر التسعة) في ثلاث، وهو عدد مرات تكرارها، فيحصل لك أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان المبارك، ورابعها: أنها لية من ليالي العشر، كما أنها ليلةٌ وتريةٌ، والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:(التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)، وفي رواية:(التمسوها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)، وقد أجمع المفسرون، والفقهاء ومَنْ لهم باعٌ في الزهد، والتنسك، وكثير من العلماء على أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان الفضيل، وخامسُ حقائقها: أن تطلع الشمسُ صبيحتَها بيضاءَ، صافيةً، بَلْجَةً، لا شعاعَ لها، أيْ أنك يمكنك أن تنظر فيها بعينيك دون أن تتعب، وتصبح الأجواءُ فيها صافيةً، والسماء هادئةً، لا ضباب فيها، ولا غيوم، صافية، بلجة، والجواء كأنك في ربيع وزَهْوِ هوائه، ولطيف نسمه، وأجوائه، وسادسُ حقائقها: كذلك أن أحد الصحابة ـ وهو خبر ورد عن عبيد بن عمير ـ كان في إحدى ليالي القدر في بحر، والبحر ـ كما هو معروف ـ مالح، ولكنه أخذ غرفة من الماء، وشربها، فوجدها عذبة سلسة، كأن البحر وقتها قد تحول إلى نهر،مما يُعَدُّ من العلامات الطبيعية التي قد تكون مرتبطة بالليلة، والتي عاينها هذا الرجل الصالح المفطور على الصدق، وسابعُ حقائقها: كذلك استجابةُ الدعاء فيها، فهو من علامات ليلة القدر، والحديث الشريف يقول: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وثامنُ حقائقها: أن الله تعالى قد أنزل فيها القرآن الكريم كله في السماء الأولى في بيت العزة، ثم أنزله بعد ذلك سورة سوة، وآية آية، وفق الأحداث والوقائع، وحسب الملمات، والمصائب، دليلًا على علمه بكونه، وأحوال خلقه، وأنه لا زمن يمضي عليه، وهو خالق الزمن، فلا يجري عليه الزمن، فنال الشهرُ بركةَ القرآنِ الكريمِ، والدليلُ على نزوله كاملًا أن الفعل جاء بصيغة أَفْعَلَ:(أنزلناه) فالفعل (أَنْزَلَ) يعني أنه أنزله كلَّه مرةً واحدة، والله على كل شيء قدير، على عكس الفعل:(تَنَزَّلَ) الذي يفيد التدرُّج، والنزول على دفعات، وتاسعُ حقائقها أنها سورةٌ مترابطةُ الأجزاء، متناغمةُ الدلالات، متماسكةُ الأركان، متشابكةُ المعاني، دخلها السبكُ، وَرَافَقَهُ الحبكُ، فصارتْ تقرأ كأنها جملة، أو آية واحدة؛ من شدة تماسكها، وكمال ترابطها، ففيها أدوات الربط الآتية: (إنَّ) والأفعال التي تتطلب فواعلَ، ومفعولاتٍ، لا تنفصل عنها، وأدوات الجر التي تتطلب مجرورات، وهي تعلِّق أشباه الجمل بأفعالها، وكذا وردت فيها حروف العطف التي تمتِّن بين الجمل، وتشدُّها برباط العطف، والحنان، والارتباطِ الدلالِيِّ القويِّ، وهذا التكرير في ليلة القدر لبيان عظمتها، ومكانتها، وقدرها، وعاشرها، وآخرها: أنها قد حُبِكَتْ حَبْكًا، وترابطتْ ترابطًا معنويًّا، كل آية شُدَّتْ إلى أختها حَبْكًا مَحْبُوكًا، ففي البداية قرَّر القرآن أنَّ هذا الكتاب قد نزل في ليلة القدر، وسمَّاها في سورة الدخان بالليلة المباركة، ثم عاد، وتساءل عن عظمتها، وعمَّن أدراهم بها، وبقيمتها، ثم راح يجيب عن تلك الكمالات، وهاتيك الكرامات لها.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية