يُمثِّل الأمن الركيزة الأولى الَّتي تَقُوم عليها حياة الأُمم واستقرار المُجتمعات؛ فهو الإطار الَّذي تنتظم داخله حركة الحياة بكُلِّ تفاصيلها، وهو أساس تقدُّم الإنسان وازدهار الأوطان. فحيثُما يوجد الأمن تنمو فرص التنمية، وتترسخ قِيَم العدالة، ويطمئن الإنسان إلى مستقبله ومستقبل أبنائه. ومن هنا فإنَّ الحديث عن الأمن ليس حديثًا عن قِطاع أو مؤسَّسة بِعَيْنِها، بل عن منظومة حياة متكاملة تتشابك فيها الأدوار بَيْنَ الدَّولة والمُجتمع والفرد، لِتُشكِّلَ في مجموعها معادلة الاستقرار والازدهار.
لقد أدركتْ سلطنة عُمان منذ بدايات نهضتها الحديثة أنَّ الأمن ليس إجراءً ظرفيًّا، ولا حالة طارئة تفرضها الأزمات أو التحدِّيات العابرة، وليس مجرَّد إجراءات أو تدابير مؤسَّسيَّة، بل أصبح عقيدة حياة ومسارًا اجتماعيًّا ونهضويًّا أصيلًا، وقِيمة حضاريَّة أصيلة وممارسة راسخة في الفكر والسلوك، شكَّلت امتدادًا لثقافة عُمانيَّة متجذرة في التاريخ، تستند إلى منظومة من القِيَم والمبادئ الَّتي تَقُوم على الإيمان بالله، والولاء للوطن، والالتفاف حَوْلَ القيادة، والعمل المشترك من أجْلِ بناء مُجتمع متماسِك وآمِن. ولذلك شكَّل الأمن أحد أهم المرتكزات الَّتي قامت عليها فلسفة الدَّولة العُمانيَّة الحديثة، حيثُ ارتبط الأمن بحماية الإنسان وصون كرامته وحفظ حقوقه، كما ارتبط بصيانة الوطن والحفاظ على مكتسباته وهُوِيَّته الحضاريَّة. كما شكَّل إطارًا عامًّا لإدارة التحوُّلات والتعامل مع التحدِّيات. فقَدْ أسْهَمتْ هذه الرؤية العُمانيَّة في بناء مُجتمع يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والطمأنينة، وهو ما مكَّن الدَّولة من توجيه طاقاتها نَحْوَ البناء والتنمية وإطلاق المبادرات الَّتي تُعزِّز رفاه الإنسان العُماني وتفتح أمامه آفاق المستقبل.
واتَّخذت فلسفة الأمن في سلطنة عُمان منحى عصريًّا متوازنًا، قائمًا على تحقيق «أنسنة الأمن» وعَبْرَ إدماج مفاهيم الأمن ومفرداته قواعده ومرتكزاته ومصادره وبرامجه في برامج التنمية الوطنيَّة ورؤية «عُمان 2040» حيثُ تتَّجه للإنسان بكُلِّ ظروفه، والعوامل المؤثِّرة فيه مراعية حاجاته وأولويَّاته واهتماماته، ويتفاعل مع حياة الإنسان في أبعادها النفْسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة والسلوكيَّة والأخلاقيَّة والغذائيَّة والجسميَّة والصحيَّة وغيرها، انطلاقًا من المبادئ الأمنيَّة في المادَّة (17) من النظام الأساسي للدَّولة، وترجمة عمليَّة لها نَحْوَ بناء وطن آمِن مستقر.
وفي ظلِّ ما تشهده منطقة الخليج العربي اليوم من توتُّرات إقليميَّة وتصعيد عسكري باتتْ له تداعياته الكبيرة على أمن المنطقة واستقرار دولها، تتأكد أهميَّة الوعي الأمني؛ إذ إنَّ الأزمات والأحداث المصاحبة لهذه النزاعات المُسلَّحة والتصعيد العسكري غالبًا ما يصاحبها في ظلِّ اتِّساع دَوْر التقنيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة الكثير من الأخبار المتداولة ونَشْر الشائعات والتحليلات غير الدقيقة، والَّتي قد تتحول إلى مصدر للقلق والارتباك في المُجتمع، والتكهنات بما تثيره من حالة من القلق والخوف، أو تشتيت الجهود الوطنيَّة الرامية إلى حفظ الاستقرار. ولهذا السَّبب تؤكِّد الجهات المعنيَّة العسكريَّة والأمنيَّة والقانونيَّة والمَدنيَّة على أهميَّة الالتزام بالمسؤوليَّة الوطنيَّة في التعامل مع المعلومات المتداولة، وخصوصًا تلك المرتبطة بالحوادث أو المنشآت الحيويَّة أو الأوضاع الأمنيَّة، مثل: تصوير الحوادث أو نَشْر مقاطع مرئيَّة أو صوَر لمواقع حسَّاسة، أو تداول معلومات غير مؤكّدة حَوْلَها، والَّذي قد يعرِّض مرتكبيه للمساءلة القانونيَّة؛ لِمَا قد يُسبِّبه من إخلال بالأمن العام. بل يمتدُّ لِيؤثِّرَ في حالة الطمأنينة المُجتمعيَّة ويضعف الثقة بالمصادر الموثوقة. كما تؤكِّد الجهات المختصَّة على أهميَّة التعاون المُجتمعي في رصد أيِّ مشاهدات غير مألوفة قد تتعلق بالأمن العام، مثل رصد طائرات مسيَّرة أو أجسام مشابهة في الأجواء أو بالقُرب من المنشآت الحيويَّة، حيثُ يُعَدُّ الإبلاغ الفوري عنها سلوكًا مسؤولًا يُسهم في تعزيز منظومة الأمن والسَّلامة العامَّة. فالمُجتمع الواعي هو شريك أساس في منظومة الأمن، وعيونه اليقظة تُشكِّل دعمًا مهمًّا لجهود المؤسَّسات المختصَّة في حماية الوطن وصون مقدَّراته. ومن هنا تبرز أهميَّة استقاء الأخبار والمعلومات من المصادر الرسميَّة والموثوقة فقط، والابتعاد عن التحليلات الشخصيَّة والتكهنات الَّتي قد لا تستند إلى حقائق واضحة.
إنَّ التجربة العُمانيَّة في بناء مُجتمع آمِن تؤكِّد أنَّ تحقيق الأمن الوطني وترسيخ معالمه والحفاظ على ثوابته الوطنيَّة في تعزيز قوَّة الدَّولة يبدأ من وعي أبنائه، ويتعزز بتكاتفهم، ويترسخ بسلوكهم المسؤول. فكُلُّ كلمة يكتبها الإنسان، وكُلُّ معلومة ينشرها، وكُلُّ موقف يتَّخذه، يُمكِن أن يُسهمَ في تعزيز الأمن أو الإضرار به؛ ولذلك فإنَّ الحكمة تقتضي أن يكُونَ الإنسان واعيًا بما ينشره ويتداوله، وأن يتحلَّى بالسَّمْت العُماني والحسِّ الأمني المسؤول الَّذي يجعل من مصلحة وطنه واستقراره معيارًا لكُلِّ تصرُّفاته.. ومن هنا تأتي أهميَّة الثقافة الأمنيَّة في المُجتمع ووعي أفراده بما تقتضيه من التزامات وواجبات ومسؤوليَّات، فيقف عند حدوده ويلتزم بما أكدته القوانين وأصَّلته، فعندما يُدرِك المواطن أنَّ سلوكه الفردي قد يؤثِّر في أمن المُجتمع واستقراره، فإنَّه يصبح أكثر حرصًا على الالتزام بالقانون وأكثر وعيًا بمسؤوليَّته الوطنيَّة. وهنا يتحول الأمن من مجرَّد التزام قانوني إلى قِيمة أخلاقيَّة يمارسها الإنسان بعفويَّة في حياته اليوميَّة، وهو أمر يسري على كُلِّ القاطنين على هذه الأرض العُمانيَّة المباركة في التزامهم الأخلاقي بما يصدر من أجهزة الدَّولة العسكريَّة والأمنيَّة ومؤسَّساتها فيما يتعلق بالسلوك الجمعي عند الأزمات وفي الظروف الصَّعبة.
ولذلك فإنَّ صناعة الأمن تبدأ من الذَّات، حين يراجع الإنسان ممارساته وسلوكيَّاته ويحرص على أن تكُونَ منسجمة مع قِيَم المسؤوليَّة والانتماء الوطني، فالسُّلوك الأمني لا يقتصر على تجنُّب المخالفات أو الالتزام بالقوانين، بل يشمل أيضًا مجموعة واسعة من الممارسات اليوميَّة الَّتي تعكس احترام النظام العام والمحافظة على الممتلكات العامَّة والخاصَّة، والالتزام بالصدق في نقل المعلومات، والتحلِّي بالحكمة في التعبير عن الآراء، وتجنُّب كُلِّ ما من شأنه إثارة الفتنة أو الإضرار بالمصلحة العامَّة، واحترام المؤسَّسات الوطنيَّة العسكريَّة والأمنيَّة والقانونيَّة والمَدنيَّة وتقدير جهودها في حماية الوطن، والابتعاد عن الخِطابات السلبيَّة الَّتي تسعى إلى التشكيك أو التقليل من أهميَّة هذه الجهود، بما يُسهم في تعزيز الثقة المتبادلة بَيْنَ المواطن ومنظومات الدَّولة ومؤسَّساتها بما يخدم الاستقرار والتنمية. فإنَّ الحفاظ على الأمن يتطلب من الجميع استشعار هذه المسؤوليَّة والحرص على دعم الجهود الوطنيَّة في هذا المجال، سواء عَبْرَ الالتزام بالقوانين والتشريعات أو عَبْرَ الممارسات اليوميَّة الَّتي تعكس وعيًا عاليًا بقِيمة الأمن وأهميَّته، أو من خلال تقديم خِطاب معرفي مسؤول يُسهم في تصحيح المفاهيم المغلوطة ويُعزِّز قِيَم الاعتدال والاتزان في قراءة الأحداث. وهو ما جاء في صدر خِطاب الادِّعاء العام الأخير بما معناه:
إنَّ نعمة الأمن والأمان الَّتي يعيشها وطننا سلطنة عُمان بفضل الله ورعاية القيادة الحكيمة لمولانا القائد الأعلى حفظه الله، تستدعي مزيدًا من التأمل فيها واستشعارها في كُلِّ مسارات المواطن الحياتيَّة، والاعتراف بأنَّ خلْفَ ذلك إرادة وتضحيات وجهود تَقُوم بها مؤسَّسات الدولة العسكريَّة والأمنيَّة والمدنيَّة المختلفة في بناء مُجتمع عُمان الآمن، وإنها نتاج هذا التناغم بَيْنَ كُلِّ القِطاعات ومشاركة المواطن المخلص في كُلِّ الجهود السَّاعية لترسيخِ سلوك الأمن في حياة الناس، فإنَّ ما تتَّخذه الأجهزة الأمنيَّة من إجراءات ومتابعات، وما تَقُوم به من رصد دقيق ومستمر لمجريات السلوك العام في ظل هذه الأوضاع، إنَّما يأتي في إطار تأكيد المسؤوليَّة الوطنيَّة الَّتي على كُلِّ مواطن أن يُسهم بِدَوْره في بناء مدخلاتها في ذاته، جنبًا إلى جنب في كُلِّ ما تقرُّه أنظمة الدَّولة من تشريعات وأنظمة وتوجُّهات، ووقوفها في وجْه كُلِّ مَن يحاولون نَشْر الإشاعة أو المساس بوحدة الأُمَّة العُمانيَّة، في كتاباتهم أو منشوراتهم أو تغريداتهم عَبْرَ مختلف وسائل التواصُل الاجتماعي، وإشغال الرأي العام بالردود على أفكار وقضايا ليس البحث فيها أي طاعة أو هدف يخدم إنسانيَّة الإنسان واستقرار المُجتمع.
أخيرًا، يَجِبُ أن نُدركَ أنَّ المُجتمعات الَّتي تمتلك وعيًا أمنيًّا راسخًا، تكُونُ أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتعامل مع التحدِّيات بحكمة واتزان، كما تكُونُ أكثر قدرة على حماية مكتسباتها وصون استقرارها، ويصبح الوعي الأمني مسؤوليَّة فرديَّة ومُجتمعيَّة في الوقت نفْسه، تبدأ من إدراك المواطن لِدَوْره في حماية وطنه، وتمتدُّ إلى سلوكه في التعامل مع الأحداث والمعلومات والمواقف المختلفة، بما يجعل من كُلِّ فرد حارسًا لوطنه وشريكًا في حماية مستقبله، فأمن الوطن يبدأ بوعي أفراده، ويستمر بقوَّة انتمائهم، ويزدهر بتكاتفهم وتعاونهم في كُلِّ الظروف.
د.رجب بن علي العويسي