الاثنين 16 مارس 2026 م - 26 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

المدن التي شاخت.. والشباب الذي يهاجر

المدن التي شاخت.. والشباب الذي يهاجر
الاثنين - 16 مارس 2026 04:41 ص

إبراهيم بدوي


شاهدتُ فيلمًا أميركيًّا العام الماضي يَدُور حَوْلَ أبٍ يسافر إلى إحدى القُرى الإيطاليَّة، بحثًا عن ابنته الَّتي أخبرته بأنَّها قررتْ شراء منزل قديم هناك مقابل يورو واحد فقط، مستندة إلى إرث تركته لها والدتها لِتعيدَ ترميم البيت وتمنحه حياة جديدة. كان الفيلم إنسانيًّا في تفاصيله، هادئًا في إيقاعه، وقد استعرض جوانب من تاريخ إيطاليا الاجتماعي، ودَوْر الهجرة للعالم الجديد في مراحل مختلفة. غير أنَّ أكثر ما لفَتَ انتباهي أكثر حتَّى من الحكاية العائليَّة اللطيفة هو الفكرة الَّتي كان يلمِّح إليها بهدوء عن مُجتمع بدأ يشيخ، فقد أدَّى ثلاثة من كبار السِّن في القرية دَوْرًا لافتًا في إيصال هذه الفكرة؛ إذ ظهروا كحراس لذاكرة المكان، يروون الحكايات ويستعيدون تفاصيل الماضي، ليعيشوا فيه، كأنَّهم آخر مَن بقي من زمن كان يعج بالحياة، ومن خلال حضورهم البسيط والمؤثِّر، بدا أنَّ الفيلم يطرح سؤالًا أعمق حَوْلَ القُرى الَّتي فقدَتْ شبابها والبيوت الَّتي بقِيَتْ واقفة كأنَّها تنتظر مَن يُعِيد إليها الحياة.. هذه الصورة أصبحتْ ظاهرة عالميَّة يُمكِن ملاحظتها في عدد من الدول المتقدمة الَّتي تعاني انخفاض معدَّلات الإنجاب وتقدُّم متوسط العمر، وهو ما جعل بعض المُدُن والقُرى تبحث عن سكَّان جُدد بأيِّ وسيلة ممكنة، سواء كان ذلك في إيطاليا أو ألمانيا أو اليابان...إلخ. ومن هنا يُمكِن النظر إلى تلك القصَّة السينمائيَّة بوصفها مدخلًا لفكرة أوسع تتعلق بما يُمكِن تسميته بالمُدُن الَّتي شاخت، في عالم يتجاور فيه واقعان متناقضان، مُجتمعات تقدَّمت في العمر وتبحث عن الشباب، وأخرى تمتلك طاقات شبابيَّة واسعة لكنَّها كثيرًا ما تجد نفسها عاجزةً عن تحويل تلك الطاقة إلى قوَّة تنمويَّة حقيقيَّة داخل أوطانها.

وإذا انتقلنا من المشهد السينمائي الَّذي شدَّني، إلى الواقع الَّذي تؤكده الدراسات والإحصائيَّات، سنجد أنَّ ما بدا في الفيلم مجرَّد حكاية إنسانيَّة، وحبكة دراميَّة، له أساس في الواقع، حيثُ يعكس في الحقيقة تحوُّلًا ديموجرافيًّا عميقًا تشهده عدَّة مُجتمعات متقدمة حَوْلَ العالم؛ فخلال العقود الأخيرة تراجعت معدَّلات الإنجاب بصورة ملحوظة في عدد من الدول الصناعيَّة، الَّتي آمنتْ بفكرة تحديد النسل، في الوقت الَّذي ارتفع فيه متوسط العمر بفضل التقدُّم الصحِّي وتحسُّن مستويات المعيشة، وهو ما أدَّى إلى تغيُّر واضح في التركيبة السكانيَّة، حيثُ تتزايد نسبة كبار السِّن عامًا بعد عام مقابل تراجع أعداد الشَّباب، وهو ما جعل بعض المُدن والقُرى تواجه تحدِّيًا حقيقيًّا يتمثل في الحفاظ على دَوْرة الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة داخلها. فالمحال تحتاج إلى زبائن، والمدارس تحتاج إلى أطفال، والمزارع والمصانع تحتاج إلى أيدٍ عاملة شابَّة؛ ولهذا بدأتْ بعض الحكومات والبلديَّات تبحث عن حلول غير تقليديَّة لإعادة الحياة إلى تلك الأماكن، من بَيْنِها تشجيع الهجرة العكسيَّة، وتقديم تسهيلات للإقامة والعمل.. وصلتُ لفكرة الفيلم وهي بيع المنازل بأسعار رمزيَّة لجذب سكَّان جُدد يعيدون ضخ الحياة في مُجتمعات أخذت تتقدم في العمر بوتيرة متسارعة. الغريب أنَّ تلك الدول هي مَن تشتكي من موضوع الهجرة غير الشرعيَّة، في حين أنَّ منتخبات دولها في كرة القدم جلُّهم من أُصول مهاجرة.

وفي مقابل هذا المشهد الَّذي تكشفه تلك المُجتمعات الَّتي أخذت تتقدم في العمر، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا عندما ننظر إلى مناطق أخرى من العالم تمتلك طاقات شبابيَّة واسعة وسواعد فتيَّة كان يُمكِن أن تُشكِّلَ رافعة حقيقيَّة للتنمية داخل أوطانها، إلَّا أنَّ معظم تلك الأوطان خصوصًا في أسيا وإفريقيا ـ للأسف ـ تؤمن بالطريق بالشيخوخة، الَّتي تضغط على الشَّباب وتجبرهم على الهجرة، حيثُ لا تزال قيادات تلك الدول ترى في الشَّباب عبًا، وكأنَّ القوى البشريَّة لم تكُنْ أكبر ثروة، فالكثير من الدول النامية تعيش حالة معاكسة تمامًا من حيثُ التركيبة السكانيَّة؛ إذ تُشكِّل فئة الشَّباب النسبة الأكبر من المُجتمع، وهو ما يُمثِّل في جوهره فرصة تاريخيَّة لأيِّ دولة تسعى إلى بناء اقتصاد قوي ومستقبل أكثر استقرارًا. غير أنَّ هذه الطاقة البشريَّة كثيرًا ما تجد نفْسها مدفوعة إلى الهجرة بحثًا عن الفرص، لتتحولَ تدريجيًّا إلى مورد يغذِّي الاقتصادات الَّتي تعاني نقص الشَّباب، هنا تظهر مفارقة لافتة في حركة العالم اليوم؛ فالمُجتمعات الَّتي شاختْ تبحث عن الشَّباب لتعويض نقصها الديموجرافي، بَيْنَما المُجتمعات الشَّابَّة تفقد جزءًا مهمًّا من طاقاتها البشريَّة في سباق الهجرة نَحْوَ تلك الاقتصادات الأكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والعقول.

إنَّ ما جعلني أتوقف طويلًا أمام تلك الفكرة الَّتي طرحها الفيلم لا يتعلق بمُكوِّناته الاحترافيَّة على بساطة ما تقدِّمه وعبقريَّته في الوقت ذاته، ولا بالمشهد الفكري الهادئ والرسائل الَّتي حرصتْ أن يبدو كبار السِّن كحرَّاس لذاكرة المكان. لكنَّ أشدَّ ما لفَتَ انتباهي هو تساؤل مهمٌّ وحيوي ظل يتردد في ذهني بعد انتهاء الفيلم، فنحن في كثير من الأحيان ننظر إلى الدول المتقدمة باعتبارها النموذج الَّذي ينبغي أن نكرر تجربته بحذافيرها، فننشغل بمحاولة استنساخ مساراتها الاقتصاديَّة والتنظيميَّة، دُونَ أن نتوقفَ كثيرًا عند المآلات الاجتماعيَّة والديموجرافيَّة الَّتي وصلتْ إليها تلك المُجتمعات بعد عقود طويلة من تلك المسارات. وبَيْنَما كنتُ أفكر في تلك القُرى الَّتي تبحث اليوم عن سكَّان يُعِيدون إليها الحياة، وجدتُ نفسي أتساءل إن كنَّا ونحن نراقب تلك التجارب نرى الصورة كاملة؟ أم نكتفي بالجزء الَّذي يعجبنا منها؟ فالدول الَّتي شاختِ اليوم وصلتْ إلى هذا الوضع بعد رحلة طويلة من التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، بَيْنَما تقف دول أخرى ما زالت تمتلك طاقات شبابيَّة واسعة أمام فرصة تاريخيَّة لصناعة مستقبل مختلف، لا يهاجر فيه أبناؤها المميزون، ورُبَّما لهذا السَّبب ظل سؤال بسيط يلحُّ عليَّ بعد مشاهدة الفيلم وهو: هل نتعلم من تجارب الآخرين بوعي كامل؟ أم نكتفي بمحاولة تكرارها دُونَ أن نلتفت إلى ما آلتْ إليه في نهاية الطريق، لِنجدَ القُرى لدَيْنا خاوية إلَّا من عجائز يحملون ذاكرة أوطان كانت تعج بالشَّباب والحياة؟

إبراهيم بدوي

[email protected]