الأحد 15 مارس 2026 م - 25 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

تعدية الفعل بحرف الجر ودوره الدلالي.. «يسارعون فـي» و«سارعوا إلى» نموذجا «3»

الأحد - 15 مارس 2026 01:16 م

.. ومثل هذا الفارق بين الآيتين اقتضاه السياق الذي وردتا فيه؛ ذلك أن الآية الأولى تتعلّق بالمتقين، وأما الآية الثانية فتتعلّق بالمؤمنين، وهم دون المتقين منزلة ومكانة، حيث حصلوا الإيمان، ومضوا بعده في الترقي، والخشية، فلما كانت التقوى وهي نتاج الإيمان أعظم درجاته، وأرقى رتبه، كانت أفضل من مجرّد الإيمان؛ لأنّها تتضمّنه، وزيادة، وكان التقّي أفضل من المؤمن العادي.

وقد بيّن الله واقع المتّقين الذين أعدّت لهم جنة عرضها السماوات والأرض، فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران 134 ـ 135)، وبين من لا يزال يحبو في طريق الإيمان بالله، ولم يجتهد بعد في حسن الصلة، والوصول إلى غايات الإيمان بالله ورسله، وهو تحصيل فضيلة التقوى.

وإذا كانت التقوى أعلى رتبة من مجرد الإيمان، فقد لزم إذن التفرقة بين المتّقين، وبين المؤمنين، وتتجلّى هذه التفرقة في الآيتين في موضعين: الأول في الخطاب، والثاني في الثواب، أمّا الخطاب، فقد خاطب الله تعالى المتّقين بدعوتهم إلى المسارعة: (وسارعوا)، بينما خاطب المؤمنين بدعوتهم إلى المسابقة: (وسابقوا)، والفرق بينهما هو: أن المتّقين في تنافس، وسباق متواصل، لا يتوقف، ولا يتوانى، ولا يتكاسل أهله، وهم في تنافس يومي، وتسابق لحظي، صار يشكل عملهم، وتتصف به تحركاتهم، فكلها لله، ولأجل رضاه، ورحماه، وتام عفوه، وعطاياه، لذلك لم يحثّهم عليه؛ لحصوله منهم، وإنما حثّهم على مزيد منه، وحضّهم على الأحسن والأفضل، فحسن هنا أن يخاطبهم بالمسارعة، وعلى خلاف ذلك، فإنّ المؤمنين لم يحصل منهم التقدّم في الرتبة، ولا الارتفاع في المكانة؛ لذلك حثّهم على السباق ابتداء، فإذا حصل منهم، شملهم الخطاب الداعي إلى الإسراع، فيما بعد، لكن بينهم وبين المسارعين بون شاسع، ومدى واسع، وأمّا الثواب فقد اختلف باختلاف الرتب، والمكانات، والمنازل، ففي الآية الأولى حينما خاطب الله سبحانه المتّقين قال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)، وفي الآية الثانية حينما خاطب المؤمنين بعامة، قال: (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).

والفرق بينهما يكمن في كون الآية الأولى المتعلّقة بالمتّقين لم ترد بصيغة التشبيه؛ للدلالة على أنّ هذا الثواب الموعود لا يضاهى، ولا يماثل، ولا يشابه، فلا محل هنا للكاف، فهم فوق أن يشابهوا غيرهم؛ لأنهم نسيجو وحدهم، ولا أحد مثلهم حتى يتشبهوا به، فهم المشيه به، وهم المشبه، ولا يوجد لهم في طاعتهم أحد يدخل معهم في تنافس، وعلاوة على هذا، ففي الآية الأولى: (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ)، وفي الثانية: (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ) وهذا يتضمّن الفرق بين الجنّتين من حيث السعة، والعمق، والامتلاء، والفضل، والعطاء.

ولعل الحكمة في هذا، والله أعلم، تتعلّق بأمرين: الأوّل، أنّه ـ بمعايير الحق ـ على قدر الأعمال يكون الجزاء؛ ثم أعمال المتقين بالتأكيد هي أعظم من أعمال المؤمنين؛ لذلك كان ثوابهم أعظم، والأمر الثاني: أنّ ثواب المؤمنين حاصل لدى المتّقين بما قدّموا، ولكن لما حثّهم الحقّ ـ سبحانه وتعالى ـ على المزيد حسن هنا أن يعطيهم المزيد، فكان الحثّ على تقديم الأفضل مقترنًا بالوعد بالأفضل.

و(أل) في الخيرات جنسية، أي: هم يتنافسون في كل ما يدخل تحت مسمى الخيرات، ولو كانت نية لم تأخذ لحيظة في قلب صاحبها، ولو كانت نظرة بحب، وحنية وبر للوالدين النائمين، أو نية تصدق ببعض المال لاحقا، نية صادقة لمن لا يملك المال لنفسه حالا فضلا عن أن يفيض عليه لأحد، فيعود به على غيره أو نحوها، مما دق، وصغر من الخيرات، هم يسارعون فيه، ويتسابقون عليه.

د. جمال عبد العزيز أحمد 

 جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية

[email protected]