لا شك لديَّ أنَّ الفوضى الحاصلة على الساحة الدوليَّة اليوم طبيعيَّة جدًّا، وأنَّ الحروب الطاحنة الَّتي ترزح تحت وطأتها العديد من دول العالم، خصوصًا منطقة الشرق الأوسط ليست بالغريبة؛ فتاريخ البشريَّة هو تاريخ الفوضى والحروب الَّتي كانت السَّبب الرئيس والمباشر لتغيير القوى الدوليَّة والخرائط السياسيَّة، وما من حقبة زمنيَّة بشريَّة إلَّا ونالت نصيبها من الموت والدمار، من الحرب والفوضى.
وعند الحديث عن وطننا العزيز سلطنة عُمان فلا شك كذلك أنَّنا جزء لا يتجزأ من ذلك العالم وتاريخ البشريَّة المليء بالفوضى والصراعات، من منطقة قدرها منذ عقود طويلة أن ترزحَ تحت وطأة الحروب والاستعمار والتدخلات؛ بسبب ثرواتها ومقدَّراتها وموقعها الجغرافي شديد الأهميَّة والقِيمة الجيوسياسيَّة على رقعة الشطرنج الكبرى.
الجدير بالذِّكر ـ وفي هذا الإطار التاريخي ـ كان للوعي السياسي والأمني للقيادة والشَّعب دَوْر كبير للغاية في توطيد الاستقرار والأمن والسَّلام لهذا الوطن، خصوصًا وللمنطقة بوجْهٍ عام، وقد جنَّبنا ذلك الدخول في قائمة طويلة من الحروب والصراعات والفوضى الَّتي ما زالت آثارها حاضرة في العديد من دول المنطقة، ناهيك عن ذلك فقد منحنا ذلك الوعي الوطني قدرة على التعاطي بمرونة مع الأحداث السياسيَّة والأمنيَّة في المنطقة، وساعدت ولسنوات طويلة دول المنطقة نفْسها على التعاطي مع العديد من الملفات الساخنة عَبْرَ السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة.
استنادًا إلى ما سبَق أدعو أبناء وطني إلى مواصلة التَّمسُّك بذلك الوعي الوطني المتشبِّث بالحكمة والهدوء والبُعد عن كُلِّ ما يُمكِن أن يؤثِّرَ على أمن واستقرار وطننا ومكانته وسمعته في هذه الفترة من تاريخ المنطقة وتاريخ وطننا العزيز. أدعو كُلَّ عُماني إلى التشبُّث بما حصدناه من سلام وأمن واستقرار بفضل الله أولًا، ثم بسبب موجِّهات ومبادئ سياستنا الخارجيَّة وأخلاقنا العُمانيَّة، وأن نثقَ بأنَّ لهذا الوطن العزيز من القيادات والكفاءات الوطنيَّة القادرة على التعامل مع ما يَدُور من حَوْلِنا من أحداث ومتغيِّرات إقليميَّة ودوليَّة.
إنَّ الرِّهان القادم للوصول إلى الأمن والاستقرار والسَّلام هو بالارتهان إلى الوعي الوطني والسَّمْت العُماني، وكما أكَّد على ذلك حضرة صاحب الجلالة السَّلطان هيثم بن طارق ـ أعزَّه الله ـ دائمًا وفي العديد من المحافل أنَّ المواطن هو أساس المحافظة على أمنِه الوطني وجهاز الأمن الحقيقي الحاضر دائمًا، والَّذي يُراهَن عليه وقت الشَّدائد والمِحَن والفوضى. وفي هذا السياق قال جلالته ـ أعزَّه الله ـ «ونُهِيبُ بأبنائِنَا وبناتِنَا التَّمسُّكَ بالمبادئِ والقِيَم، الَّتي كانت وستظلُّ ركائزَ تاريخِنَا المَجيدِ، فَلْنَعْتزّ بِهُوِيَّتِنَا وجَوْهَرِ شخصيَّتِنَا، ولنَنْفَتِحْ على العالَمِ، في توازنٍ ووضوحٍ، ونَتَفَاعَلْ معه بإيجابيَّة، لا تُفْقِدُنا أصالتَنَا ولا تُنسينا هُوِيَّتَنَا».
وإن كان لي كمواطن الحقُّ في الحديث والتعليق حَوْلَ ما يَدُور من أحداث تمسُّ وطني فَلْيَبقَ ذلك في إطار من الحكمة والهدوء وتحرِّي المعلومات من مصادرها الموثوقة، وأن نستعينَ بأهلِ الرَّأي والتخصُّص ممَّن نثقُ بهم وبحكمتهم ووطنيَّتهم، وإن كان من دعوة يَجِبُ أن توجَّهَ في هذا الوقت فلْتَكُن لأصحاب القلم والثقافة والعِلم والأدب من أبناء عُمان ممَّن يقدر على رفع مستوى الوعي الوطني وتعزيز مكانة الأمن والاستقرار، كما أنَّها دعوة لحكومتنا الرَّشيدة إلى تعزيز مكانة ودَوْر العلماء والأُدباء والمثقفين فَهُمْ حِصن الوطن ودعامة أمْنِه. ختامًا.. إنَّ العالم اليوم وسيكُونُ في الغد؛ لأنَّ ذلك من طبيعة السياسة الدوليَّة عَبْرَ التاريخ، مستمرًّا في الحروب والصراعات والفوضى؛ لذا يَجِبُ أن نستمرَّ نحن كذلك، أبناء عُمان المُخلصون لوطننا الواثقون بحكمة قيادتنا محافِظِين على أمن واستقرار وطننا عَبْرَ التَّمسُّك بالهدوء والحكمة وعدم التدخل بشؤون الآخرين، والانجراف وراء الإشاعات الَّتي لا طائل منها سوى اتِّساع دائرة الخوف والأمن بَيْنَ السكَّان، وأن نتركَ ما لا نُدرِك تفاصيله من أحداث ووقائع ممَّا يحدُث في محيطنا الوطني أو حتَّى ذلك الَّذي يطول أمْنَنا الوطني للمعنيين من المؤسَّسات والأشخاص المتخصِّصين بذلك؛ فَهُمْ أعْلَمُ وأقدر على تقدير الأمور ومُجرياتها.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @