الأحد 15 مارس 2026 م - 25 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

نبض المجتمع : الكذب فـي زمن الحرب

نبض المجتمع : الكذب فـي زمن الحرب
الأحد - 15 مارس 2026 06:00 ص

د. خصيب بن عبدالله القريني


تُمثِّل الآلة الإعلاميَّة وقود الحروب على مدار التاريخ، مهما اختلفت أنماطها ووسائلها التقليديَّة منها والحديثة؛ فالإعلام هو مَن يحرِّك أيَّ حرب، وهو مَن يزيدها اشتعالًا عن طريق التصريحات والأخبار والإشاعات.. وبِدُونِ الإعلام لا معنى لأيِّ حرب. فالجوانب النفْسيَّة للبَشَر إحدى الركائز الَّتي يتمُّ استهدافها من أجْلِ تعطيل قدرات العدوِّ وإمكانيَّة استسلامه وزرع الفتنة بَيْنَ صفوفه، وهذا لا يتمُّ إلَّا بوجود مخطَّط إعلامي يبدأ حتَّى قَبل بداية أيِّ حرب. وفي عصر الذَّكاء الاصطناعي تظهر هذه الآلة الإعلاميَّة بصورة أكثر وحشيَّة من الحرب ذاتها؛ فالتطوُّر في مجال إنتاج الفيديوهات وفي تحليل البيانات مثلًا هو أداة فعَّالة وسريعة ورخيصة من أجْلِ تحطيم المعنويَّات ونَشْرِ الإشاعات، ولذلك نحن أمام مفترق طُرق يؤثِّر بشكلٍ كبير على مجريات الحروب يختلف كُليًّا عمَّا مضى في هذا المجال.

من هنا لا بُدَّ أن نعملَ على تطوير قدراتنا في كيفيَّة فكِّ طلاسم هذا النَّوع من الإعلام والَّذي يتطلب يقظة مبنيَّة على مهارات النَّقد والتحليل العاديَّة منها أو تلك الَّتي تستخدم خوارزميَّات الذَّكاء الاصطناعي لمعالجته وتفنيده ووضع النقاط على الحروف. فالآلة الإعلاميَّة يُمكِنها الآن أن تَقُومَ بإنتاج فيديوهات جاهزة لِتثبتَ أنَّ العدوَّ قد تكبَّد خسائر فادحة مثلًا أو أنَّ الضربات الَّتي يتلقَّاها من العدوِّ ليس لها أيُّ أثَر يُذكَر. والأمر هنا أكثر تصديقًا من مجرَّد تصريحات؛ فليس هنالك أصدَق من الصوت والصورة في هذا المجال في وقت تتوارى فيه التصريحات المكتوبة للخلف بحُكم أنَّها قد تصدق وقد تكذب، ولكنَّ الفيديوهات نظريًّا أكثر موثوقيَّة وأكثر صدقًا.. من هنا تظهر دائمًا هذه الفيديوهات لتأكيد إشاعة أو نفيها، من هنا يختلط الأمر على الكثير من الناس وينعكس الأمر سلبًا عليهم حتَّى لو لم يكُونُوا ذوي علاقة مباشرة بالحرب.. وهنا نقطة التحوُّل في الإعلام المرتبط بالذَّكاء الاصطناعي دُونَ غيره من إعلام سابق. من هنا كان لزامًا على الجهات ذات الصِّلة أن تكُونَ على وعي بأهميَّة تحليل كُلِّ ما يُبثُّ وتقديمه بصورته الحقيقيَّة للناس، فبِدُونِ ذلك تكُونُ الإشاعات والتحليلات السلبيَّة هي مَن يتصدر المشهد، وهي مهمَّة لا تقلُّ عن مهمَّة أولئك الجنود الَّذين يقدِّمون الواجب في ميدان المعركة.

وتتعدَّد مجالات الإعلام في العصر الرَّاهن، ويبرز ميدان آخر لا يقلُّ أهميَّة في مجال الإعلام وهُمُ المحلِّلون السياسيون والَّذين يتحدثون وكأنَّهم أصحاب القرار، فتجدهم يضعون سيناريوهات هي عبارة عن تحليلات سطحيَّة في غالبها، دُونَ دراية حقيقيَّة بما يجري، حيثُ إنَّ الأمر غير مرتبط في أحيان كثيرة بما يحدُث حاليًّا. فكثير من الأزمات والحروب لها جذور تاريخيَّة وصراعات متباينة لا يُمكِن قراءة الحاضر والمستقبل بِدُونِ الرجوع لها وتحليلها، وهم عن هذا الجانب بعيدون كُلَّ البُعد. أمَّا مسألة التحليل من خلال المشاهدة الحاليَّة والأخبار المتداولة فهي في النهاية استمرار للإشاعات أو للأخبار الَّتي رُبَّما غير صادقة من الأساس وما بُني على باطل فهو باطل؛ وبالتَّالي يُعَدُّ مصدر التحليل مهمًّا لبناء أي تحليل مستقبلي، كما أنَّ بعض هؤلاء المحلِّلين هم جزء من منظومة أحد الأطراف؛ وبالتَّالي ما يقوله يندرج تحت أجندة ذلك الفريق وليس تحليلًا موضوعيًّا لمجريات الأحداث. من هنا يَجِبُ التنبُّه لهذا الأمر ومعرفة توجُّهات ذلك المحلِّل وانتماءاته، وعدم الانجرار وراء كُلِّ رأي وتحليل؛ لأنَّ في النهاية الأمر يتعلق بحرب نفْسيَّة تُمارَس على الفريق الآخر.

إنَّ الكذب في الحرب ظاهرة طبيعيَّة لا يُمكِن تفاديها، ولكنَّ الأمر يتعلق بمدى الوعي الَّذي يَجِبُ أن يتمسكَ به القارئ والمستمع والمتابع لهذه الأحداث، وأن يعتمدَ في النهاية على المصادر الموثوقة في الحسابات الرسميَّة لدولته الَّتي في النهاية تعرف ما يَجِبُ أن يصلَ إلى هذا المتابع، وماذا يعنيه في نهاية الأمر من كُلِّ هذه الأحداث. وهذا لا يعني أن لا يتمَّ الاطلاع على بقيَّة المصادر الخاصَّة بنقلِ الأخبار، ولكن ـ كما قُلنا ـ يَجِبُ أن نكُونَ على حذَر ووعي؛ فالحرب الإعلاميَّة هي الوقود الَّذي من خلاله يتمُّ السَّعي لتحقيقِ أهداف الحرب الواقعيَّة، والوعي هو سبيلنا الوحيد لِفَهْمِ ما يجري على أرض الواقع دُونَ تهويل.

د. خصيب بن عبدالله القريني

[email protected]