الأحد 15 مارس 2026 م - 25 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أصداف : أفول عصر الخبراء

أصداف : أفول عصر الخبراء
الأحد - 15 مارس 2026 05:12 ص

وليد الزبيدي


قد يكُونُ هذا العنوانُ سابقًا لزمانِه، وقد يكُونُ طرحُه والحديثُ عنه في وقتِه، ولا بُدَّ من طرحِه وإخضاعِه لنقاشٍ معمَّق. إنَّ مقولةَ «ما خابَ مَن استشار» بَقِيَتْ فاعلةً وتتفاعلُ على نطاقٍ واسع في مختلفِ الأزمنة وفي كُلِّ بقاعِ المعمورة، لكنَّ اختيارَ الخبيرِ ليس بالأمر السَّهل؛ فكُلُّ ميدانٍ في الحياة يحتاجُ إلى خبراء يستعينُ بهم أصحابُ القرار في مختلفِ الاختصاصات والمستويات. وللحصولِ على استشارةٍ قَبل سنوات، ورُبَّما أشْهُر، لم يكُنْ بالأمر اليسير، في حين أصبحَ حاليًّا في غاية السهولة. فمثلًا، لو رغبَ المرءُ بالاستفسار عن جوانبَ خاصَّة بالتقنيَّاتِ الحديثة وبالعلومِ التخصصيَّة الدقيقة، فعليه البحثُ عن المختصِّ والمشهورِ والموثوقِ جدًّا. وليس هذا وحده، فمن المعروف أنَّ خبراءَ القانون يتقاضون أجرًا معلومًا عن جميعِ الاستشاراتِ القانونيَّة، ومثلُ ذلك الأطبَّاء، كما يتقاضى المحاسبون والمتخصِّصون في الضرائبِ وفي الفحوصاتِ النفْسيَّة. وليس بعيدًا، فإنَّ بعضَ وجهاءِ العشائر في بعضِ المُجتمعات يتقاضون أموالًا مقابل تدخُّلهم في حلِّ النزاعاتِ الفرديَّة والأُسريَّة، وجميعُ هؤلاء في نهاية المطاف يدخلون ضِمن وصفِ «المستشار».

لكن لم يتوقع أحدٌ أن يدخلَ دَوْر المستشار مرحلةَ «الأفول»، أو هكذا يبدو. فقد أعطى الأباطرةُ والملوكُ والأمراءُ والرؤساءُ أهميَّة كبرى للمستشارين. ومع كثرةِ الأمثلة، يُمكِن ذكرُ البلدِ الَّذي انطلقت منه الفلسفةُ ومفهومُ الدَّولة بقرونٍ عدَّة قَبل الميلاد، أقصدُ اليونان؛ فلم يتخلَّ الإسكندرُ المقدوني، القائدُ الشَّاب، عن أرسطو، حيثُ عيَّنه كبيرَ المستشارين. وعندما بدأ رحلتَه وحملتَه العسكريَّة الكبرى صوبَ الشرق، وبعد أن وصلَ بلادَ ما بَيْنَ النهريْنِ، كان برفقتِه مائةُ مستشارٍ من الفلاسفة في مختلفِ التخصُّصات. وعندما يختلفُ هؤلاء المستشارون في قضيَّة ما، كان الإسكندرُ يرجعُ إلى أستاذِه ومستشارِه في أثينا «أرسطو». وسار الكثيرُ من القادة على ذاتِ النهج، وكُلَّما ظهر مبدعون في اختصاصٍ معيَّن، فإنَّ أغلبهم يصبحون مستشارين لكبارِ المسؤولين والقادة، كما أصبح الكثيرُ منهم مستشارين لعامَّةِ الناس، حيثُ يقصدونهم لفكِّ الالتباس.

سؤالُنا الآن، ونحن نتحدثُ عن سباقٍ محموم في إزالةِ الكثير من المِهن: هل دخل عصرُ المستشارين في مرحلةِ «الأفول»؟

ليس لديَّ إحصائيَّاتٌ عن نسبةِ تراجُع عددِ الأشخاص الَّذين يكتفون بسؤالِ الذَّكاءِ الاصطناعي بدلًا من اللجوءِ إلى الأطبَّاء بمختلفِ اختصاصاتهم، بما في ذلك الأطبَّاءُ النفسيون. ومثلُ ذلك في مجالِ الحسابات والخططِ الاقتصاديَّة للمشاريعِ الكبيرة وحتَّى الصغيرة منها، ويشمل ذلك، وبِدُونِ شك، قِطاع المحاماة أيضًا.

بالتأكيد ستبدأُ حقبةُ الحديث ومناقشةِ دَوْر المستشارِ الرَّسمي والشَّعبي، وستبرز أرقامٌ وإحصائيَّاتٌ مثيرة للاهتمام. سيزحفُ هذا الزلزالُ لِيصلَ إلى أماكنَ ومستوياتٍ أكبر، ونقصد بذلك مواقعَ المستشارين في الحكومات وفي المواقع الأدنى. وهل سيُستعاضُ عن مجاميعِ المستشارين بمكتبٍ يشغله مختصون في مجالِ التقنيَّات الحديثة، وتحديدًا في الذَّكاءِ الاصطناعي؟ إنَّ الحصولَ على إجاباتٍ سريعةٍ ومتقنة، وبِدُونِ مهادنةٍ أو تلكُّؤ، يضعُ مهنةَ المستشارين البشريين في أماكنَ جديدة، قد تتسببُ بالاستغناء عن الكثيرين منهم، ورُبَّما أكثر من ذلك.

وليد الزبيدي

كاتب عراقي

[email protected]