الاثنين 16 مارس 2026 م - 26 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

فضائل المكتبة المنزلية

فضائل المكتبة المنزلية
الأحد - 15 مارس 2026 05:09 ص

أ.د. محمد الدعمي

20


للمرء أن يجتهد بوجود نوعيْنِ من المكتبات المنزليَّة: (1) المكتبة الحقيقيَّة الَّتي تتراكم على رفوفها الكتب والمطبوعات عَبْرَ السنين، سنين القراءة العامَّة والتخصصيَّة؛ و(2) المكتبة الشكليَّة الَّتي تصطف على رفوفها الكتب والمطبوعات، شكلًا من أشكال النفاق الاجتماعي الَّذي يريد المرء من (صاحبها) من خلالها الادعاء بما ليس فيه من استعراض للكتب والمطبوعات الَّتي يوحي بأنَّه قد اطَّلع عليها وقرأها طوال أعوام حياته، خصوصًا أعوام تخصُّصه في حقل من حقول العلوم والمعارف !وقد رأيتُ مكتبات لثلَّة حرصوا على تكوينها وبنائها بهدف ادِّعاء ما ليس فيهم من ثقافة!

في الحالة الأولى، يقدِّس صاحب المكتبة محتوياتها من المطبوعات والكتب؛ نظرًا لأنَّ هذه المحتويات تُشكِّل العمود الفقري لمعارفه الشخصيَّة، خصوصًا إذا ما كانت تلك المحتويات تخصُّصيَّة في الآداب أو العلوم، من بَيْنِ سواها من الحقول المعرفيَّة العامَّة. ولكن في الحالة الثانية، ليس هناك من مقدَّس من محتويات مكتبة لم يقرأْ صاحبها شيئًا من محتوياتها، اللَّهُمَّ إلَّا بقدر تعلُّق الأمر بقوائم المشتريات وبالأموال الَّتي أنفقها صاحبها على سبيل ابتياع الكتب والفهارس والموسوعات على سبيل الاستعراض والنفاق الاجتماعي: ولَعَمري، هناك العشرات من هذه المكتبات «الاستعراضيَّة» (الجامعة لغبار الزمن)، خصوصًا عندما تتراكم رفوفها إلى أكوام من الغبار والأوراق المهملة.

والحقُّ، فإنَّ أعظم مكتبة شخصيَّة شاهدتُها في حياتي كانت مكتبة المغفور له، رئيس وزراء العراق السابق، الدكتور فاضل الجمالي، إذ احتلَّت رفوفها المزدحمة الطابق الأرضي لمنزله على شاطئ دجلة في منطقة الأعظميَّة ببغداد؟ والمكتبة الثانية الَّتي لم أتمكن من أن أمحوها من الذاكرة كانت مكتبة ابن عمَّة زوجتي، العلَّامة الدكتور حسين علي محفوظ، في الكاظميَّة، وللأسف، لم أتمكن من معرفة مصير هاتين المكتبتين العملاقتين بعد وفاة منشئيهما .

وهنا لا بُدَّ أن أذكرَ بأنَّ دافعي الحقيقي من إنشاء هذه المقالة هو دعوة أرباب الأُسر العربيَّة من الخليج إلى المحيط للعمل على إنشاء مكتبات منزليَّة؛ نظرًا لأهميَّتها في التأثير الثقافي على الأبناء والبنات والأحفاد والحفيدات: فمجرَّد مشهد كعوب الكتب المصفوفة على رفوف المكتبة تترك آثارًا نفْسيَّة عميقة لدى الصغار والشبيبة، ناهيك عمَّا هو متوقع من قراءة هؤلاء «الصغار» (على بساطتهم) على عناوين الكتب المصفوفة في غرفة الجلوس أو في صالة استقبال الضيوف، ناهيك عن أهميَّة تعرُّفهم على أسماء المؤلِّفين والمؤلِّفات، من كتَّاب نثر، أو شعراء تركوا آثارهم الفكريَّة والثقافيَّة لأجيال بعد أجيال عَبْرَ العالم العربي.

إنَّه لَمِن مآسي سخريات الزمن أن يموتَ صاحب المكتبة المنزليَّة، فيغادرها، تاركًا إيَّاها لأفراد صغار السِّن قد لا يدركون أهميَّة الكتب والمطبوعات الَّتي فاز صاحب المكتبة الأصلي بحيازتها على أعوام حياته، وهكذا كان مصير العديد من هذه المكتبات المنزليَّة العظمى مبكيًا بكُلِّ معنى الكلمة، لبالغ الأسف، ومنها مكتبتي الشخصيَّة الَّتي تركتُها برفوفها أمانة لدى إنسان أمين، ثم تبرعتُ بمحتوياتها إلى مكتبة جامعة مدينة الديوانيَّة، جنوب بغداد ولا أدري حتَّى اللحظة إن كانت قد خدمت تلاميذنا وزملاءنا هناك، إلَّا أنَّ ذكرها في دخيلتي ما زال جرحًا غائرًا في قلبي! بل والأنكى هو أن يجدَ المرء كتُب أصحاب مكتبات عظيمة وهي تُباع على الأرصفة، مثل الملابس المستعملة الرَّخيصة!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي