الأحد 15 مارس 2026 م - 25 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : استثمار فـي التراث والطبيعة وصناعة المستقبل

الأحد - 15 مارس 2026 03:11 م

رأي الوطن

10


تشهد سلطنة عُمان في السنوات الأخيرة تحوُّلًا لافتًا في طريقة توظيف مُقوِّماتها السياحيَّة، حيثُ تتَّجه السياسات التنمويَّة إلى تحويل التراث الثقافي والطبيعي إلى قِيمة اقتصاديَّة مستدامة تُعزِّز مكانة السَّلطنة على خريطة السياحة العالميَّة. ويُمكِن قراءة اتفاقيَّة تطوير وتشغيل متنزَّه سمهرم الأثري في موقع خور روري بمحافظة ظفار بوصفها نموذجًا لهذا التوَجُّه، إذ يُمثِّل الموقع أحد أهم المعالم التاريخيَّة المرتبطة بطريق تجارة اللبان القديم والمسجَّل ضِمن قائمة التراث العالمي لمنظَّمة اليونسكو، حيثُ يهدف المشروع إلى تطوير المدينة التاريخيَّة وتحويلها إلى وجهة سياحيَّة متكاملة تجمع بَيْنَ أصالة التاريخ وروعة الطبيعة، عَبْرَ إنشاء مَرافق ضيافة وتجارب ثقافيَّة وبيئيَّة وأنشطة سياحيَّة تعكس الهُوِيَّة العُمانيَّة، كما يكشف هذا التوَجُّه عن رؤية تنمويَّة تُدرِك أنَّ التراث الثقافي يُمكِن أنْ يُصبحَ موردًا اقتصاديًّا يثري تجربة الزائر ويُعزِّز حضور السَّلطنة في سوق السياحة الثقافيَّة العالميَّة، خصوصًا في ظلِّ تزايد اهتمام السيَّاح حَوْلَ العالم بالوجهات الَّتي تقدِّم تجربة أصيلة تجمع بَيْنَ التاريخ والبيئة والثقافة المحليَّة.

وإذا كان الاستثمار في المواقع التاريخيَّة يعكس أحد أوْجُه تطوير السياحة الثقافيَّة في السَّلطنة، فإنَّ المُقوِّمات الطبيعيَّة تُمثِّل بُعدًا آخر في معادلة تنويع المنتج السياحي الوطني، وهو ما يظهر بوضوح في المشروعات التنمويَّة الجاري تنفيذها في جبل شمس بولاية الحمراء بمحافظة الداخليَّة، حيثُ يشهد الموقع تنفيذ حزمة من المشروعات تتجاوز تكلفتها واحدًا وثلاثين مليون ريال عُماني، تستهدف الارتقاء بالبنية الأساسيَّة وتطوير المَرافق السياحيَّة بما يُعزِّز تجربة الزائر ويرفع من جاذبيَّة الجبل كوجهة سياحيَّة متميِّزة، حيثُ يشمل مشروع واجهة جبل شمس إنشاء مَرافق ترفيهيَّة وثقافيَّة متنوِّعة، من بَيْنها ممشى زجاجي يطلُّ على الأخدود الجبلي ومسرح مفتوح وحديقة ثقافيَّة، إلى جانب تطوير الطُّرق المؤدِّية إلى الجبل وتحسين مستوى الخدمات والإنارة، وهي عناصر تُسهم في تعزيز سهولة الوصول إلى الموقع وتوفير تجربة سياحيَّة أكثر تكاملًا، كما تعكس هذه المشروعات إدراكًا متزايدًا لأهميَّة توظيف المُقوِّمات الطبيعيَّة المتفردة الَّتي تتمتع بها سلطنة عُمان، حيثُ تُمثِّل الجبال والوديان والسواحل رصيدًا سياحيًّا مهمًّا يُمكِن أنْ يُسهمَ في استقطاب الزوَّار الباحثين عن تجارب طبيعيَّة ومغامرات نوعيَّة، خصوصًا في ظلِّ تزايد الاهتمام العالمي بالسياحة البيئيَّة وسياحة الطبيعة والمغامرات.

ولعلَّ هذه التحرُّكات المتزامنة في تطوير المواقع السياحيَّة داخل السَّلطنة، وتعزيز حضورها الترويجي في الأسواق العالميَّة، تعكس توجُّهًا واضحًا نَحْوَ ترسيخ السياحة كأحد الروافد الاقتصاديَّة المهمَّة في مسار التنويع الاقتصادي، وهو ما يظهر أيضًا في مشاركة سلطنة عُمان في معرض موسكو الدولي للسياحة والسفر بصفتها الشَّريك الرَّسمي، في خطوة تستهدف توسيع الحضور في الأسواق السياحيَّة الواعدة، وفي مقدِّمتها السوق الروسي الَّذي يشهد نموًّا متسارعًا في أعداد الزوَّار إلى السَّلطنة، فالترويج السياحي لم يَعُدْ يقتصر على التعريف بالمُقوِّمات الطبيعيَّة والتراثيَّة، وإنَّما يَقُوم على بناء شراكات مع شركات السَّفر ومنظِّمي الرحلات وتطوير منتجات سياحيَّة تتناسب مع طبيعة الأسواق المستهدفة، مستفيدًا من تسهيلات السَّفر وتعزيز الرَّبط الجوِّي المباشر، وهو ما يُسهم في زيادة التدفُّقات السياحيَّة ورفع العوائد الاقتصاديَّة للقِطاع، ويُعزِّز حضور عُمان كوجهة سياحيَّة أصيلة ومتنوِّعة على الخريطة السياحيَّة العالميَّة. إنَّ هذه التحوُّلات المتسارعة في قِطاع السياحة تعكس ملامح مرحلة جديدة تسعى فيها سلطنة عُمان إلى توظيف تنوُّعها الطبيعي وتراثها الثقافي ضِمن رؤية تنمويَّة متكاملة تضع السياحة في موقع متقدم داخل منظومة الاقتصاد الوطني، فالمشروعات الَّتي تجمع بَيْنَ تطوير المواقع التراثيَّة مثل سمهرم، وتعزيز الوجهات الطبيعيَّة مثل جبل شمس، إلى جانب توسيع الحضور في الأسواق السياحيَّة العالميَّة، تُشير إلى توجُّه يَقُوم على بناء صناعة سياحيَّة متكاملة ترتكز على جودة التجربة وتنوُّع المنتج واستدامة الموارد، ومع استمرار تطوير البنية الأساسيَّة وفتحِ آفاقٍ جديدة للاستثمار السياحي، تتعزز قدرة هذا القِطاع على الإسهام في تنشيط الاقتصاد المحلِّي وخلق فرص العمل ودعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، بما يجعل السياحة أحد المسارات الواعدة لتعزيز التنويع الاقتصادي، وترسيخ حضور سلطنة عُمان كوجهة سياحيَّة تجمع بَيْنَ الأصالة والطبيعة والتجربة الإنسانيَّة المتفرِّدة.