أيها الصائمون.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو «الماء المقدّر»، ومعنى (الماء المقدّر) ـ كما قال ابن جزي:(بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه)، وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من الماء مرتين في كتابه الكريم، قال تعالى: (وَأَنزَلنَا مِنَ ?لسَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَر فَأَسكَنَّهُ فِي ?لأَرضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابِ بِهِ لَقَدِرُونَ) (المؤمنون ـ 18)، وقال تعالى: (وَ?لَّذِي نَزَّلَ مِنَ ?لسَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَر فَأَنشَرنَا بِهِ بَلدَة مَّيتا كَذَلِكَ تُخرَجُونَ) (الزخرف ـ 11)، والمعنى: (ماءً بِقَدَرٍ) يعني: المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون والأنهار في الأرض، وقيل: يعني أربعة أنهار وهي: النيل والفرات ودجلة وسيحان، ولا دليل على هذا التخصيص، ومعنى (بقدرٍ): بمقدار معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه) (تفسير ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل 2/ 50)، (غرائب التفسير وعجائب التأويل للكرماني 2/ 773):(قوله: «بِقَدَرٍ» صفة للماء، أي: بقدرٍ معلومٍ لا يزيد عليه ولا ينقص منه)، وعن ابن مسعود، ليست سَنَةٌ بأمطرَ من سَنة، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، وقيل: (بِقَدَرٍ) أي: ما يكفيهم لشربهم وزرعهم، وقيل: (بِقَدَرٍ) بوزن، والغريب: هذا الماء غير المطر، وإنما هو أنهار خمسة تجري من الجنة: سيحان نهر الهند، وجيحان نهر بلخ، ودجلة والفرات نهرا العراق، والنيل نهر مصر)، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَاءُ الْمَطَرِ، فَإِنَّ بِهِ حَيَاةَ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ مَاءُ الْأَنْهَارِ النَّازِلَةُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْعُيُونِ، وَالْآبَارُ الْمُسْتَخْرَجَةُ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِنَّ أَصْلَهَا مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: أَرَادَ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَنْهَارَ الْأَرْبَعَةَ: سَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ، وَالنِّيلُ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الْعَذْبُ، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ أَيْضًا فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَاءٌ إِلَّا وَهُوَ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَعْنَى (بِقَدَرٍ) بِتَقْدِيرٍ مِنَّا أَوْ بِمِقْدَارٍ يَكُونُ بِهِ صَلَاحُ الزرع وَالثِّمَارِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَثُرَ لَكَانَ بِهِ هَلَاكُ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، وَمَعْنَى (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) أي: جَعَلْنَاهُ مُسْتَقِرًّا فِيهَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَقْتَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، كَالْمَاءِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْمُسْتَنْقَعَاتِ وَالْغُدْرَانِ.. وَنَحْوِهَا، وَ(إِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) أَيْ: كَمَا قَدَرْنَا عَلَى إِنْزَالِهِ فَنَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ نَذْهَبَ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلِهَذَا التَّنْكِيرِ حُسْنُ مُوقِعٍ لَا يَخْفَى، وَفِي هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى إِذْهَابِهِ وَتَغْوِيرِهِ حَتَّى يَهْلِكَ النَّاسُ بِالْعَطَشِ وَتَهْلِكَ مَوَاشِيهُمْ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) (فتح القدير للشوكاني 3/ 565). ويقول الإمام الطبري: يقول تعالى ذكره: (وَالَّذِي نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) يعني: ما نزل جلّ ثناؤه من الأمطار من السماء بقدر: يقول: بمقدار حاجتكم إليه، فلم يجعله كالطوفان، فيكون عذابا كالذي أنزل على قوم نوح، ولا جعله قليلًا لا ينبت به النبات والزرع من قلته، ولكن جعله غيثًا، حيًّا للأرض الميتة محييًّا، (فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)، وهنا يوضح ـ جلّ ثناؤه ـ : (فَأَحيينا بِهِ بلدة من بلادكم ميتًا، يعني مجدبة لا نبات بها ولا زرع، قد درست من الجدوب، وتعفنت من القحوط (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) (تفسير الطبري 21/ 572، ط: التربية والتراث).
ومن بديع رحمة الله تعالى ما أشار إليه صاحب كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، ص95): أشار ـ جلّت قدرته ـ بقوله: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ) (المؤمنون ـ 18)، ثم إنزاله قطرات صغيرة فلو صبه صبّا خدش الأرض وأتلف الزرع، فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأوضح برهانه، والله الموفق.
د. محمود عدلي الشريف