.. وإذا تجاوزنا تلك الأمثلة.. وغيرها كثير، إلى فهم ما بين الاستعمالين القر?نيين (يسارعون في)، و(وسارعوا إلى) وجدنا كذلك فروقًا دلالية كبيرة تجعلهما تركيبين منفصلين، وذوي معانٍ متباينة، ودلالات مختلفة، يقول الله تعالى: (وَسَارِعوا إلى مَغفرةٍ مِن ربِّكُم وَجَنةٍ عرضُها السماواتِ والأرضَ أُعدّت لِلمُتّقين، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران 133 ـ 134)، وقوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) (المؤمنون 55 ـ 56).
وقوله سبحانه:(.. والذينَ يُؤتونَ مَا ?توا وقُلوبُهم وَجِلةٌ أَنَّهم إلى رَبِّهم رَاجِعون، أُولئكَ يُسارعونَ في الخيراتِ وَهُم لَهَا سَابِقون) (المؤمنون 60 ـ 61)، حيث تشير عبارة: (وَيُسارعونَ فِي الخيراتِ) (آل عمران ـ 114) إلى المؤمنين الذين يبادرون إلى الأعمال الصالحة، ويسابقون إليها، حيث يصف القرآن حالهم بأنهم يبادرون إلى فعل الخيرات بسرعة، ورغبة شديدة، وهو دليل على حرصهم على ثواب الله، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، وهم بذلك من الصالحين.
ومعنى (المسارعة) ـ كما هو معلوم من وزنها ـ فهي مصدر للفعل الرباعي: «سارع»، ففيها ألف المفاعلة: التي تعني المبادرة، والاستباق، والاجتهاد في فعل الطاعات، وعدم التثاقل، والتأخير في أدائها، وذلك لرغبتهم في نيل الثواب العظيم، ويأتي سبب المسارعة هنا من جراء إيمانهم العميق بالله، واليوم الآخر، ومن قيامهم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ مما يجعلهم يتسابقون إلى كل عمل صالح، وجزاء المسارعة تلك الصفات المذكورة في الآية هي التي تجعلهم من الصالحين، وتحصل لهم معنى السعادة، وجلال الفلاح من الله سبحانه وتعالى.
ولعل القارئ يلحظ أنه لم يأتِ هنا بالفعل: «وسابقوا» وذلك لأن فارقًا كبيرًا بين (سابقوا)، و(سارعوا) من جهات عدة: فأمّا الخطاب، فقد خاطب الله تعالى به المتّقين بدعوتهم إلى المسارعة: (وسارعوا)، بينما خاطب المؤمنين بدعوتهم إلى المسابقة: (وسابقوا)، والفرق بينهما هو: أن المتّقين في تنافس، وسباق؛ لذلك لم يحثّهم عليه؛ لحصوله منهم، وإنما حثّهم على مزيد منه، وحضّهم على الأحسن، فحسن هنا أن يخاطبهم بالمسارعة، لا بالمسابقة التي هم سلفًا يعملونها يوميًا كما يتنفسون، وهي مغروسة في طبائعهم، وسلوكياتهم العادية المتواصلة.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران، الآية (133) :(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال ـ سبحانه ـ في سورة الحديد، الآية (21): (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
والناظر بعين الروية، والتأني في الآيتين يلحظ الفروق ال?تية بينهما، ففي الآية الأولى قال الله سبحانه:(وَسَارِعُوا)، وفي الثانية قال:(سَابِقُوا)، وفي الآية الأولى قال ـ سبحانه:(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)، وفي الثانية قال:(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) بالتشبيه، والأولى ليس فيها حرف التشبيه، ففيها مزية وفضل، وفي الآية الأولى قال ـ سبحانه:(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)، وفي الثانية قال:(أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي: الأولى تجاوزت الإيمان بالله والرسل، ومضت ترتقي في ميادين الخوف من الله، وتنصهر في بواتق التقوى التي هي قمة مقاصد الإيمان بالله ورسله، وغاية غايات الطاعات، وهدف أهداف العبادات والشرائع كلها.
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية