تبَيَّنَ فيما بعد، أنَّ الغاية من اتصاله لم تكُنْ إلَّا بغرض التعرف على انطباعاتي بشأن القرار الرَّسمي أو الخطوة أو المكسب الَّذي حصل عليه لتعزيز مكانته الاجتماعيَّة بإضافة اللَّقب المميز على شخصه، أي تلك الصِّفة التفخيميَّة الَّتي تتقدم الاسم الَّذي أطلقه عليه والده بعد ساعات من ولادته، والمدوَّن في بطاقته الشخصيَّة أو التعريفيَّة، وميَّزه عن غيره ممَّن هم أقلُّ شأنًا وأخفض مكانة كما يظنُّ ويتوهم، فهو من أولئك الَّذين طغَتْ على ثقافتهم ونظرتهم وسلوكيَّاتهم الوجاهة وحُب المظاهر والجري الحثيث خلْفَ الشكليَّات، وربطوا مكانة الشخص وعلوَّ شأنه ومهابته وتقدير المُجتمع له، في المنصب والمال والنَّسب واللَّقب والملبس والمَركب، لا في مستوى التحصيل العلمي وسعة الثقافة وحُسن الخلق وخدمة الناس والكفاءة... وقد استند في خطواته الحثيثة بطلب الحصول على اللقب التقليدي الاجتماعي بحسب ما أوضح وكرَّر ونافح وجادل وقارع إلى حقِّه التاريخي ومكانة أُسرته المعروفة وتصنيفها المتقدم في درجات السلَّم الاجتماعي. وكدليل على ذلك فإنَّ إخوانه وبني عمِّه ما زالوا محافظين ومتمسكين بهذا الحقِّ الَّذي لازمهم طوال عقود ولم يفارقهم قط، وهو ما دفعه وحدا به إلى المطالبة به بوسائل وأساليب لم تخلُ من تزلُّف وتملُّق، وترجٍّ وإغراء وتوسُّط وتدخُّل، وقائمة من الهدايا والعزائم الَّتي لم تتوقف، إلى أن تحقَّقَ له ما أراد. ولستُ أدري لماذا سعى إلى معرفة رأيي في هذا الموضوع الشخصي، ومحاولة اكتشاف ما أكنُّه من ملاحظات ومشاعر حَوْلَ الخطوة الَّتي قام بها؟ هل لأنَّه وجد فيها عقدة نقص ـ في لحظات متأخرة لا ينفع فيها تأنيب الضمير ـ تمنَّى لو ربأ بنفْسه عنها فندم على ما قام به، ثم تمنَّى أن يجدَ في اتصاله بي من التشجيع والثناء والإطراء على جهده وما تحقَّق له من مكسب، ما يواسيه ويبرِّر له عمله؟ أم أنَّه أراد أن يتلمسَ أثَر ذلك التميُّز والمكسب والإنجاز، عليّ وعلى غيري من الناس، وأن يضعَهم أمام حقيقة المكانة الَّتي باتَ يتبوأها إن لم يكُونُوا على عِلم بها؟ مَن هو وإلى أيِّ فئة وشريحة ينتمي، وأن يعاملوه على ضوء هذا الاستحقاق الَّذي يمزج التاريخي بالاجتماعي، والسُّلطة والمكانة اللَّتين أضيفت إليهما، فقرَّت بذلك عَيْنه، وفاضت نفْسه بهجة وسرورًا؟ أم أنَّه أراد من ذاك الاتصال تحقيق أهداف وإيصال رسائل محدَّدة لم أدركها بعد؟ المُهمُّ أنَّ الاتصال قد تمَّ، ونتيجته الَّتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعنوان هذا المقال ومضمونه هي المحور الأساسي، فقد كنتُ واضحًا معه عندما أجبتُ عن سؤاله الرئيس، وشفافًا في رأيي الناقد والصَّادم كما تبَيَّنَ في أُسلوب إنهائه لمكالمته وفي تعامله معي في مرحلة ما بعد المكالمة... شرحتُ له وأوضحتُ، بأنَّ «قِيمة الإنسان الحقيقيَّة وقدر واحترام الناس له مرتبط ارتباطًا وثيقًا بخُلقه ومروءته وتواضُعه وحسِّه الإنساني وسلامه الداخلي مع نفْسه والآخرين، قَبل كُلِّ شيء، ثم في تحصيله العلمي والمعرفي وما يبذله من جهد في اكتسابهما والاستزادة والاغتراف من بحارهما، والمحتوى أو الرؤية أو المنظور الَّتي يستند إليها في طرح وتقديم آرائه وملاحظاته ونقاشاته مع أبناء مُجتمعه، ومدى اعتزازه وتمسُّكه بدينه وقِيَمه الأصيلة وما يقدِّمه للآخرين من خدمات جليلة.... ولم تكُنْ يومًا قِيمة الإنسان وتقدير واحترام الآخرين لشخصه نابعة من تاريخ آبائه ودَوْرهم القيادي في الماضي، ولا بماله وإن نما وكثر، ولا بما يتقلَّده من مناصب ويحمله من ألقاب، أما ما تتباهى به وتتفاخر، وتعتقد بأنَّه يُمثِّل لك مكسبًا وسُلطة وتميُّزًا على الآخرين، فليس بأكثر من أنَّه يعرِّي المرء من طبيعته وإنسانيَّته، ولا قِيمة له، فلا يلبس الإنسان شرفًا ولا يعطيه مكانة إذا لم يستند إلى تلك القِيَم الأصيلة والمبادئ والمُثل النبيلة، والأساسات المتينة. فالتاريخ رفع بعض الأسماء وقدَّرها وحفظها لتمسُّكِها بتلك القِيَم ولأعمالها المشرِّفة الرائدة، وبحر عِلمها الزاخر. ولا يفيد الأبناء شيئًا إذا قصرتْ خطاهم وتراختْ عزائمهم، وتضاءلت اهتماماتهم، ولم يقتفوا ذات الطريق الَّذي سار عليه آباؤهم، ولم يبنوا ويشيدوا على المَجد أمجادًا بالعِلم والتقدُّم والمنافسة على الخير والإسهام في البناء وخدمة المُجتمع... فالأموال والمناصب ذاهبة إلى زوال ولن ترفع اسمًا ولا تُعلي من شأن الإنسان إن لم يوظِّفْها في خدمة الناس وما فيه خيرهم وصلاحهم، فبَيْنَنا من الأثرياء وأصحاب المناصب والألقاب مَن لا يعرفهم المحتاج ولا يقدِّرهم أحد من الناس، ولا يُعيرهم المُجتمع أيَّ اهتمام، وإن وجدوا بعضًا من الاهتمام والتقدير فلا يلبثُ أن يزولَ وينتهيَ مع فقدان المنصب والمال؛ فما هو إذن إلَّا تقدير مصطنع واحترام مؤقَّت فرضته الحاجة والظروف، وكم من عالم أو مثقف أو امرئ بسيط خادم لمُجتمعه مهموم بمشاكل أفراده وإن كان فقيرًا يغشاه الناس في بيته ومجلسه ويتبعه أصحاب الحاجة طلبًا للعِلم أو النصيحة والاستشارة أو لقضاء خدمة ما أو تقديرًا واحترامًا وحبًّا لشخصه... وأنتَ قد يقدِّرك مَن هم حَوْلَك على خُلقك وعلى سؤالك المستمر عن أصدقائك وإخوانك وصلتِك وزياراتك لهم، وعلى روحك المرحة المتفائلة وابتسامتك الَّتي لا تكاد تفارقك، ولو أنَّك حافظتَ على هذه السِّمات ولم تكلفْ نفْسك عناء البحث عن وجاهة زائفة وقِيمة شكليَّة، لزادَ ونمى تقدير الناس واحترامهم، أما وقد أحدثتَ هذا الحدث بطُرق ووسائل لا تليق بهذه المكانة الَّتي تدَّعيها وتواصل التباهي والتفاخر، فسوف يستنكره عدد كبير من الناس، إن لم يكُنْ أمامك فسوف يحدُث من ورائك وبعيدًا عن سمعك وبصرك، وسيجعلون منك مثار تندُّر ومجالًا للتعليق، فكم كنتُ أتمنى لو أنَّك لم تَقُمْ بذلك أو استشرتنا على أقلّ تقدير، ولم أظهر هذا الرأي الناقد والقول الشفَّاف لولا محبَّتي وتقديري لشخصك واستجابةً لاتصالك، وانتصارًا للعلاقة القديمة الَّتي تربطنا والَّتي لا يليق بها إلا أن أكون واضحا شفافا معك...». ومع أنَّه طلب منِّي وأصرَّ على أن أكُونَ واضحًا في رأيي صريحًا في وجهة نظري حَوْلَ ما قام به، وبرغم أنَّه هو مَن بادر بالاتصال بي، ومع أنَّني عرفتُه ناقدًا لاذعًا في رأيه عندما يستنكر تصرفًا أو سلوكًا ما، يأتيه آخرون، ويتغنى بمبادئ الشفافيَّة والوضوح والصراحة والنقد المبرّر الصادق في العلاقات والمعاملات، إلَّا أنَّه لم يكُنْ منحازا إلى تلك المبادئ مع أول اختبار حقيقي يتعرض له، وتخلَّى عنها عندما وجد نفْسه لا غيره في دائرة النقد والاتهام، فالشفافيَّة الَّتي ننادي بها قولًا ونرفعها شعارًا دائمًا ما نرفضها ممارسة وعملًا. هذا النموذج المتخيل، يعنينا جميعًا، فنضعف أمام المال والسُّلطة والنفوذ والوجاهات والمظاهر وبريق المنصب ـ رغم جسامة وعظم مسؤوليَّته ـ فالله عزَّ وجلَّ يقول في مُحكم كِتابه: «يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفًا»، أمام الشهوات وملذَّات الحياة، درجة السقوط في غفلة الزهو والتفاخر والتكبر والمباهاة والشعور بالتفوق وعلوِّ المكانة والاستحقاق في التصنيف المتقدم عن الآخر، واستخدام وممارسة أساليب ووسائل مخجلة وغير لائقة وغير أخلاقيَّة، وتقدِّم لنا صفحات التاريخ نماذج وأمثلة وقصصًا ومواقف وصوَرًا ومشاهد لا حصر لها لشخصيَّات دينيَّة وعلميَّة وسياسيَّة وقعتْ في هذا الفخ، بعضها سرعان ما أفاق من كبوته وصحا من غفلته، وارتاع لما أصابه فاستعاد إنسانيَّته وبساطته ومُثله النبيلة وأخلاقه الرفيعة، وعلاقاته الطبيعيَّة بالحياة والناس من حَوْلَه... لا شك بأنَّ الارتباط بالكِتاب والقراءة المستمرة لإنتاج كبار العلماء والفلاسفة والأدباء، والتفكر والتدبُّر في مَسيرة الحياة ومآلات الإنسان ونهاياته، والنظر في صوَر مَن رحلوا عن دنيانا وكيف كانوا وأين أصبحوا؟ ومواصلة التقييم والاستفادة من استشارة الأصدقاء والاستماع إلى نصائح المحبين الأوفياء... تُسهم في رفعة الإنسان ورُقيِّه وتحريره من قيود الزيف والشكليَّات والمظاهر التافهة... وعلى مستوى الأفراد والمُجتمعات والدول، تقييم الذَّات أولًا، والتركيز على الجوهر والمفيد والمحقِّق للغايات الكبيرة ثانيًا، والاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين المحفِّزة على التقدم والتطوير ثالثًا...
سعود بن علي الحارثي