السبت 14 مارس 2026 م - 24 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الأزمات وأخلاق المواطن

في العمق : الأزمات وأخلاق المواطن
السبت - 14 مارس 2026 06:40 ص

د.رجب بن علي العويسي


في مَسيرة الإنسان المعاصر، أحداث متعدِّدة ومواقف متباينة، وأزمات نفسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة، وتحدِّيات تتعلق بالوعي والحوار والتجديد والأمن والفكر. وتبقى قدرة الإنسان على التعامل الواعي مع هذه الأزمات والتكيُّف مع معطياتها مرتبطة بما يحمله من عناصر القوَّة الداخليَّة، وبما يمتلكه من حكمة، واتزان ومهنيَّة في إدارة المواقف الصعبة. فالأزمات ليست مجرَّد أحداث عابرة في حياة الأفراد والمُجتمعات، بل هي محطَّات اختبار حقيقيَّة تكشف عن عُمق القِيَم والمبادئ الَّتي يؤمن بها الإنسان، وتبرز مستوى نضجه الفكري وقدرته على التحكم في انفعالاته وتوجيه سلوكه بما يحفظ توازنه، ويحافظ على منظومته الأخلاقيَّة.

كما أنَّ إدارة الأزمات تتطلب من الإنسان قدرًا كبيرًا من الصبر والحكمة والوعي، إلى جانب القدرة على قراءة الواقع بموضوعيَّة وفَهْم ما يحمله من تحدِّيات أو فرص. فحين يتمكن الفرد من التعامل مع الأزمة بوعي واتزان، يصبح قادرًا على تجاوزها بأقلّ قدر من الخسائر، بل وتحويلها إلى فرصة لتعزيز قوَّته وبناء منصَّات جديدة للإنتاج والعمل. كما أنَّ حُسن التعامل مع الأزمات يُسهم في تقوية روابط المُجتمع وتعزيز قِيَم التضامن والتكافل والوحدة الوطنيَّة، ويمنح الفرد مساحة أوسع لاستكشاف جوانب القوَّة في شخصيَّته.

وكما يُقال: الصديق عند الضِّيق، وفي الشدائد تظهر معادن الرجال، فإنَّ الأزمات تصنع قِيَم الرجال، وتختبر الهُوِيَّات، وتجسِّد الأخلاق؛ لذلك شكَّلتِ الأزمات ميدانًا حقيقيًّا لاختبار المواقف وتجسيد القِيَم الوطنيَّة، وفرصةً لاكتشاف مدى كفاءة الإمكانات الداخليَّة لدى الفرد والمُجتمع، وما يحمله من إرادة وقدرة على العطاء وتحمُّل المسؤوليَّة، وحسِّ المسؤوليَّة، وقوَّة الوازع، وصحوة الضمير، وتغييب الأنا، وتقوية عنصر المبادأة والمبادرة، والخيريَّة والإنتاجيَّة بالشكل الَّذي يَضْمن قدرة الفرد المواطن على التفكير الواعي الَّذي يتَّجه إلى المحافظة على الأداء بعزيمة وثقافة ومنهج. ففي لحظات الأزمات تتكشف حقيقة الأشخاص، وتظهر القِيَم الَّتي يحملها الفرد، والمبادئ الَّتي يؤمن بها، ويتحدَّد مسار سلوكه بَيْنَ الصبر والخوف، وبَيْنَ الحكمة والاندفاع؛ ولذلك فإنَّ الأزمات تُمثِّل معيارًا أساسيًّا لنضجِ الأخلاق وعلوها وارتقائها فوق مسارات التطبيق، ومحكًّا أصيلًا لقياس مستوى الوعي لدى الإنسان، ومدى قدرته على تحويل التحدِّيات إلى فرص للنُّمو والتطوُّر.

من هنا فإنَّ العلاقة بَيْنَ أخلاق المواطن والأزمات علاقة وثيقة، إذ تُشكِّل أخلاق المواطن الأساس الَّذي يحدِّد طبيعة التعامل مع الأزمات وإدارتها. فالمواطن الواعي يدرك أنَّ الأزمات جزء من مَسيرة الحياة، وأنَّ التعامل معها يتطلب وعيًا عميقًا بمتغيرات الواقع وقدرة على قراءة الأحداث بموضوعيَّة. كما أنَّه يمتلك القدرة على التمييز بَيْنَ المعلومات الصحيحة والشائعات، ويتجنب الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة أو التحليلات الكاذبة والمتسرعة الَّتي قد تؤدي إلى إثارة القلق وزيادة حالة الارتباك في المُجتمع.

وفي ظلِّ الانتشار الواسع لمنصَّات التواصل الاجتماعي، أصبحت هذه المنصَّات أحد أبرز مصادر تداول الأخبار والمعلومات، إلَّا أنَّها في أوقات الأزمات قد تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات والتكهنات والتفسيرات غير الدقيقة. ولذلك تأتي أخلاق الأزمات باعتبارها منطلقًا لرسم معالم التحوُّل في التعامل مع الأزمات وإدارتها والتفاعل مع متطلباتها، وإعادة هيكلتها بالشكل الَّذي يَضْمن زيادة ناتج الوفرة منها، وتقليل حجم التداعيات السلبيَّة الناتجة عنها على سلوك الفرد وقناعاته وأفكاره وانطلاقته القادمة في ميدان العمل والمسؤوليَّة. فيدير الواقع بمهنيَّة، ويتعامل مع الظروف وفْقَ نواميس واضحة وأدوات تقرأ ما تحمله من مطبَّات أو فرص، ويتكيَّف مع مستجدَّات الواقع حاملًا لواء التفرد والخصوصيَّة والتميُّز في انتقائه للفرص واختياره للبدائل وصناعته لمعايير التفوق. وبالتَّالي أن يقف من مستجدَّات الواقع وما تؤصِّله منصَّات التواصُل الاجتماعي من ثقافات أو تبرزه من أحداث تتنافى وأخلاق الأزمات وتتجانب مع صواب العمل ومنهجيَّات التعامل. وعليه تفرض أخلاق الأزمات على المواطن والمُقِيم على هذه الأرض الطيِّبة قدرًا عاليًا من المسؤوليَّة وضبط النفْس في التعامل مع هذه المنصَّات، من خلال التثبُّت من صحَّة المعلومات قَبل نشرها أو تداولها، والالتزام بالمصادر الرسميَّة والموثوقة في استقاء الأخبار.

عليه، تُمثِّل الأزمات اختبارًا حقيقيًّا للأخلاق وتجسيدًا عمليًّا للقِيَم الوطنيَّة، إذ يظهر مدى التزام الإنسان بالقِيَم الَّتي يؤمن بها، وقدرته على ضبط سلوكه والتصرف بحكمة في مواجهة الضغوط. فإمَّا أن يتعاملَ مع الأزمة بروح إيجابيَّة تسعى إلى البناء والإصلاح، أو ينجر إلى مسارات سلبيَّة تُعزِّز القلق واليأس. ومن هنا فإنَّ الأخلاق تُمثِّل مساحة أمان للفرد والمُجتمع في بناء ثقافة مُجتمعيَّة قائمة على التضامن والتكامل والتعايش والشعور الجمعي بالمسؤوليَّة، وتُعزِّز من قدرة المُجتمع على مواجهة التحدِّيات بكفاءة عالية. فحين يدرك الأفراد أنَّ الأزمات مسؤوليَّة جماعيَّة، وأنَّ تجاوزها يتطلب تعاون الجميع، تتحول تلك الأزمات إلى فرص لتعزيز وحدة المُجتمع وتماسُكه، وعندها تُصبح الأزمة مرحلة عابرة يُمكِن تجاوزها بوعي وإرادة مشتركة.

ومع ما تعيشه منطقة الخليج العربي هذه الفترة من أحداث عصيبة وتصعيد عسكري تطول تأثيراته الجميع، وما تبعها من الاستهدافات الجبانة المستمرة لأراضي سلطنة عُمان والموانئ البحريَّة وخزانات الوقود، جاءت دعوة الجهات المعنيَّة إلى التزام الحكمة والهدوء والوعي الجمعي والمسؤوليَّة الفرديَّة والمُجتمعيَّة، والعمل على استدراك كُلِّ ما من شأنه الابتعاد عن الشائعات والنشر والتفاعل المثير لسخط القانون، وعدم تصوير أو نشر أو تداول أيِّ مقاطع مرئيَّة أو صوَر أو معلومات تتعلق بالحوادث أو المواقع والمنشآت، أو أيِّ محتوى من شأنه الإخلال بالأمن العام أو إثارة الهلع بَيْنَ أفراد المُجتمع، أو نشر أو إعادة نشر الشائعات والمعلومات غير الموثوقة؛ كونها تعرِّض مرتكبيها للمساءلة القانونيَّة. كما أكَّدتْ على أهميَّة الإبلاغ الفوري عن أيِّ مشاهدات لطائرات مُسيَّرة أو أجسام مشابهة يتمُّ رصدها في الأجواء أو القريبة من المنشآت الحيويَّة، وتعزيز التعاون المُجتمعي في مثل هذه الحالات دعمًا للأمن والسَّلامة العامَّة، وتجنُّب التحليلات والتكهنات الشخصيَّة عَبْرَ منصَّات التواصُل الاجتماعي، والالتزام بالحقائق المجرَّدة وفْقَ ما يصدر عن جهات الاختصاص ومواقعها الموثَّقة، واستقاء الأخبار من المصادر الرسميَّة والموثوقة فقط.

وبالتَّالي تُمثِّل هذه المعطيات جميعها مواقف اختبار تصنع أخلاق المواطن في زمن الأزمات، وتقرأ مضامين الوعي الَّذي آمنتْ به القيادة الحكيمة في وعي الإنسان العُماني وقدرته على تجاوز هذه الأزمات والأحداث بإرادة واعية وبصيرة نافذة، ووعيه بما يثار من شائعات مغرضة وافتراءات كاذبة ومنشورات تستهدف النَّيْل من هيبة الدَّولة، وما تبثُّه الحسابات الوهميَّة المغرضة من إشاعات وأوهام، إنَّما يراد بها النَّيْل من وحدة هذا الوطن وأمنه وسلامه. ووعي مواطنيه وقدرتهم على التعامل مع هذه الأزمات والأحداث والتفاعل معها بكُلِّ مهنيَّة ووعي وثقافة وإدراك، لتثبتَ عُمق ما يحمله الإنسان العُماني من حُب لعُمان وجلالة السُّلطان، وأنَّ ترجمة المواطن لهذا الحُب إنَّما تأتي عَبْرَ حكمته ووعيه، وحُسن التعامل مع المواقف، والتزامه نهج السلام والحوار، وحرص الجميع على سلامة عُمان وأرضها وأمنها باعتباره خطًّا أحمر. فالمحافظة على الأمن والاستقرار مسؤوليَّة مشتركة بَيْنَ مؤسَّسات الدَّولة والمُجتمع، وهو ما يستدعي الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الجهات المختصَّة، وتجنُّب نشر أو تداول أيِّ محتوى قد يثير القلق أو يخلُّ بالأمن العام.

لقد أثبتتِ التجربة العُمانيَّة عَبْرَ العقود الماضية أنَّ بناء الإنسان الواعي كان أحد أهم مرتكزات النهضة الحديثة. فقد قامت الدَّولة على أُسُس واضحة من القِيَم والمبادئ الَّتي عزَّزت روح المواطنة والانتماء، ورسَّخت ثقافة الاعتدال والحوار والتسامح، حيثُ أسْهَم هذا النهج في بناء مُجتمع متماسك قادر على التعامل مع التحدِّيات المختلفة بثقة واستقرار. واستطاع الإنسان العُماني، عَبْرَ تجاربه المتعدِّدة في التعامل مع الأزمات الاقتصاديَّة والسياسيَّة والإقليميَّة، أن يقدِّمَ نموذجًا في الوعي والاتزان، وأن يعكسَ صورة إيجابيَّة عن قوَّة المُجتمع وتماسُكه. وقد انعكس هذا الوعي في الثقة المتبادلة بَيْنَ المواطن ومؤسَّسات الدَّولة، وفي الالتفاف الوطني حَوْلَ القيادة الحكيمة، والعمل المشترك من أجلِ الحفاظ على أمن الوطن واستقراره.

أخيرًا، تبقى أخلاق المواطن مقياسًا حقيقيًّا لمستوى الوعي الجمعي في المُجتمع، ودليلًا على قدرة أفراده على التعامل مع الأزمات بروح مسؤولة. ولم تَعُدْ أخلاق المواطن في زمن الأزمات مجرَّد قواعد تنظيريَّة، بل ممارسة أصيلة تتجلى في سلوك الأفراد ومواقفهم، وتعكس عُمق انتمائهم لوطنهم وحرصهم على استقراره. فهي منهج حياة ومسار عمل يقوم على بناء الإنسان الواعي والمساهم في إعادة هيكلة الواقع الناتج عن الأزمة، عَبْرَ ما يُحقِّقه من إنجازات وما يؤصِّله من قدوات وما يبنيه من قِيَم وأخلاقيَّات، يستنطقها في قِيَمه وهُوِيَّته وأخلاقه وسَمْته، ويستحضرها في مواقفه بروح إيجابيَّة عنوانها الثقة والمسؤوليَّة. وعندما يتحلى المواطن بهذه الأخلاق يُصبح عنصرًا فاعلًا في مُجتمعه، ويُسهم في تعزيز استقراره وبناء مستقبله، وتتحول الأزمات من مجرَّد محطَّات عابرة إلى فرص تُعزِّز قوَّة المُجتمع وتماسُكه.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]