في محاضرة شيِّقة، لأحد الأفاضل كان التَّالي: أعظم ما يملكه الإنسان ليس رصيده البنكي ولا مكانته الاجتماعيَّة، بل دِينه؛ لأنَّه الزاد الَّذي يبقى حين تزول كُلُّ المكاسب. فالدِّين ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل منظومة قِيَم تُترجم إلى سلوك يومي: صدقٌ في القول، أمانةٌ في العمل، رحمةٌ في التعامل، وعدلٌ في الحكم. ومن هنا كان رمضان موسمًا لإعادة شحن هذا المعنى في النفْس.
اللافت في الخِطاب القرآني أنَّه لا يكتفي بالدعوة إلى الخير، بل يحفِّز على المسارعة إليه: وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ، سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ. الفرق بَيْنَ «يفعل» و»يسارع» فرق تربوي دقيق؛ فالمسارعة تعني اليقظة، والمبادرة، ورفض التسويف. وٍفي علم السلوك يُعدُّ التسويف أحد أكبر معوِّقات التغيير؛ إذ يؤجِّل الإنسان قراراته الإصلاحيَّة بحجَّة «الوقت المناسب». رمضان يكسر هذه الحلقة؛ لأنَّه يضع الإنسان أمام برنامج يومي منضبط، يبدأ مع الفجر وينتهي مع قيام الليل، فيتعلم الانضباط عمليًّا لا نظريًّا.
ومن منظور علم النفْس، فإنَّ ضبط الشهوات يُعزِّز ما يُعرف بـ»قوَّة الإرادة» أو self-regulation، وهي القدرة على التحكم في الدوافع قصيرة المدى لصالح أهداف بعيدة المدى؛ فالصائم يمتنع عن المباحات ساعات طويلة، باعتبارها استجابة لوازع داخلي بعيدًا عن الرقابة البشريَّة، هذا التدريب اليومي يُنشئ ما يسمِّيه علماء النفْس «الرقابة الذاتيَّة»، وهي حجر الأساس في بناء الشخصيَّة المتزنة.
لكن رمضان لا يتوقف عند حدود الفرد؛ بل يمتد إلى الأُسرة والمُجتمع. اجتماع الأُسرة على مائدة الإفطار يُعِيدُ إحياء قِيمة المشاركة بعد أن فرَّقتنا جداول العمل وضغوط الحياة. لحظة انتظار الأذان، والدعاء الجماعي، وتبادل التمر والماء تُمثِّل مساحة لبناء روابط عاطفيَّة عميقة. وهنا أوَدُّ التأكيد أنَّ الدراسات الاجتماعيَّة تُشير إلى أنَّ الطقوس المشتركة تُعزِّز الشعور بالانتماء وتُقلِّل مستويات التوتُّر، وهو ما نلمسه بوضوح في الأجواء الرمضانيَّة.
كذلك يمنحنا رمضان فرصةً لتهذيب الخِطاب؛ فالصائم مأمور بأن يقولَ خيرًا أو لِيصمُت، وأن يترفع عن الجدل والخصام. هذا الامتناع عن الانفعال لا يقلُّ أهميَّة عن الامتناع عن الطعام. وفي بيئة يغلب عليها التوتُّر وسرعة الاستجابة، يأتي الصيام لِيعلِّمَ التريُّث وضبط اللسان. وهنا يلتقي المعنى الشرعي مع التوصيات الحديثة في إدارة الغضب، الَّتي تؤكد أهميَّة «الفاصل الزمني» قَبل الردِّ، وهي مهارة يدرِّبنا عليها الصيام بصورة عمليَّة.
الدِّين، في جوهره، منهج حياة ينظِّم علاقة الإنسان بربه، وبنفْسه، وبأهله، وبالناس جميعًا. وإذا كان بعض الناس يحصرونه في أداء الشعائر، فإنَّ رمضان يُثبت بأنَّ الشعيرة وسيلة لبناء السلوك. فالمقياس الحقيقي لنجاح الصيام يُقاس بمقدار التغيير الَّذي طرأ على قلوبنا وأخلاقنا.
من هنا، فإنَّ السؤال الأهم في ختام الشهر ليس: كم ختمة قرأنا؟ بل: ماذا تغيَّر فينا؟ هل أصبحنا أسرع إلى الخير؟ أقلَّ انفعالًا؟ أصدَقَ في تعاملاتنا؟ أكثرَ رحمةً بأهلنا؟ إن كان الجواب: نعم، فقد حقَّق رمضان مقصده التربوي.
رمضان في حدِّ ذاته دَوْرة مكثَّفة في إعادة ترتيب الحياة. ومن أحسَنَ استثماره، خرج منه بقلبٍ ألين، وعقلٍ أصفى، وإرادةٍ أقوى. نسأل الله أن يجعل صيامنا صيام تربية وتزكية، لا صيام عادةٍ وتكرار، وأن يكتبَ لنا أثرًا باقيًا بعد انقضاء الأيَّام.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr