السبت 14 مارس 2026 م - 24 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : تداعيات الحرب وضرورة الاستجابة المجتمعية المتزنة

في الحدث : تداعيات الحرب وضرورة الاستجابة المجتمعية المتزنة
السبت - 14 مارس 2026 05:42 ص

طارق أشقر


منذ انطلاقتها في يومها الأول، بدأت تداعيات الحرب «الإسرائيليَّة» الأميركيَّة الإيرانيَّة تظهر انعكاساتها بوضوح على مسارات الحياة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة، عَبْرَ فرض واقع إقليمي جديد يتطلب قدرًا عاليًا من الوعي المُجتمعي والاستجابة المتزنة.

من البديهي أنَّ هذه الحرب وإن كانت تَدُور في نطاق جغرافي محدَّد كما يفترض لها، غير أنَّ آثارها العسكريَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة امتدَّت بشكلٍ عملي ملموس إلى محيطها الإقليمي، بما في ذلك دول الخليج الَّتي تُعَدُّ جزءًا محوريًّا من منظومة الاستقرار في المنطقة.

وقد يكشف عُمق هذه التداعيات مع اتِّساع نطاق العمليَّات العسكريَّة وخروجها عن إطارها الجغرافي المباشر المتمثل في إيران و»إسرائيل»، لتطولَ منشآت بنية أساسيَّة ونفطيَّة ومطارات ومواقع عسكريَّة في بعض الدول الخليجيَّة، بل وتسبَّبت شظاياها في سقوط ضحايا مدنيين وإصابة آخرين.

أسْهَم هذا التطور ـ بلا شك ـ في إثارة حالة من القلق والرعب لدى بعض فئات المُجتمع، في حين سلَّط الضوء على قدر من التساؤلات حَوْلَ طبيعة الاستقرار في منطقة معروف عنها بأنَّها إحدى أكثر مناطق العالم حساسيَّة من الناحية الجيوسياسيَّة.

وبقراءة أكثر توازنًا للمشهد اتَّضح للمراقبِين بأنَّ دول الخليج تمتلك من المُقوِّمات ما يُعزِّز قدرتها على التعاطي مع مثل هذه الأزمات، سواء من حيثُ الإمكانات الدفاعيَّة المتقدمة الَّتي استثمرت فيها هذه الدول مليارات الدولارات على مدى عقود طويلة، أو من حيثُ بنياتها الاقتصاديَّة القويَّة القائمة على موارد الطاقة والقِطاعات الإنتاجيَّة المتنامية بما فيها قِطاع الزراعة المحليَّة عالية الجودة الإنتاجيَّة، إضافة إلى المخزونات الغذائيَّة الاستراتيجيَّة الَّتي جرى تعزيزها خلال السنوات الماضية تحسبًا لمختلف السيناريوهات.

كما يُمثِّل التَّماسُك الاجتماعي الَّذي تتميَّز به المُجتمعات الخليجيَّة أحد أهم عناصر القوَّة في مواجهة الأزمات واستيعاب آثارها؛ إذ أظهرت هذه المُجتمعات رغم تنوعها السكاني والثقافي، وعَبْرَ أحدَث سابقة قدرة ملحوظة على الحفاظ على وحدتها الداخليَّة والتكاتف في أوقات التحدِّيات.

وعليه، فإنَّ تعزيز الثقة المُجتمعيَّة في هذه المُقوِّمات المذكورة أعلاه يُمثِّل عاملًا أساسيًّا في تحصين الجبهة الداخليَّة، والحدِّ من تأثيرات القلق أو الشائعات الَّتي قد تنتشر في أوقات الأزمات.

كما لا يقلُّ أهميَّة عن ذلك الرصيد السياسي الَّذي تتمتع به دول المنطقة والمتمثل في نهجها القائم على الحكمة والاعتدال في إدارة العلاقات الدوليَّة، والتعامل مع الأزمات الإقليميَّة؛ إذ أدَّتْ دول الخليج عَبْرَ السنوات الماضية أدوارًا مهمَّة في الوساطات السياسيَّة ومساعي التهدئة، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات الدوليَّة وقدرة على بناء التوافقات بَيْنَ الأطراف المتنازعة، حيثُ أسهم هذا النهج الدبلوماسي في ترسيخ صورة المنطقة باعتبارها طرفًا يسعى إلى الاستقرار لا إلى التصعيد.

وفي خضم هذه التطورات يبرز دَوْر الإعلام بمختلف وسائله المقروءة والمرئيَّة والمسموعة في توجيه الرأي العام نَحْوَ التعاطي المسؤول مع مجريات الأحداث؛ فالإعلام المهني قادر على تقديم المعلومات الدقيقة وتحليل التطورات بموضوعيَّة بما يساعد على تهدئة المخاوف، وتعزيز الوعي العام بطبيعة المرحلة.

وفي السياق نفسه، يظلُّ التحدي الأكبر مرتبطًا بوسائل التواصل الاجتماعي الَّتي أصبحت أحد أبرز مصادر الأخبار لدى قِطاعات واسعة من الجمهور، فرغم ما توفِّره هذه المنصَّات من سرعة في تداول المعلومات، إلَّا أنَّها كثيرًا ما تتحول إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات والأخبار غير الدقيقة في أوقات الحروب والأزمات، وهنا تبرز أهميَّة التحلِّي بالمسؤوليَّة الفرديَّة في التعامل مع ما يُنشر عَبْرَ هذه الوسائل والتحقُّق من مصادر الأخبار قَبل تداولها.

لذلك فإنَّ المرحلة الراهنة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والاتزان في الاستجابة المُجتمعيَّة بما يُعزِّز الاستقرار، ويحافظ على المكتسبات التنمويَّة الَّتي حققتها دول الخليج خلال العقود الماضية. فمهما بلغتِ الأزمات حدَّتها تظلُّ اختبارًا لقدرة المُجتمعات على التَّماسُك والثقة بمؤسَّساتها، وهو ما يُشكِّل في نهاية المطاف خط الدفاع الأول في مواجهة تداعيات أيِّ صراع إقليمي.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»